ابن الجوزي
286
صفة الصفوة
875 - عابد آخر عن أبي الحارث الأولاسي قال : بلغني أن بجبل لبنان رجلا تطوى له الأرض من يومه إلى بيت المقدس ، ووصف لي مكانه فصرت إليه فإذا هو رجل قد ألبس سلامة . فسألته من أين المطعم ؟ فدعا بظبية كانت قريبا منه في الجبل فجاء بها إلى صخرة فيها نقرة فحلبها وسقاني من اللبن . ومن عقلاء المجانين بجبل لبنان 876 - شيبان المصاب محمد بن أحمد بن سلمة قال : حدّثني سالم قال : بينا أنا سائر مع ذي النون في جبل لبنان إذ قال لي : مكانك يا سالم حتى أعود إليك . فغاب عني في الجبل ثلاثة أيام وأنا أنتظره ، إذا هاجت عليّ النفس أطعمتها من نبات الأرض وسقيتها من ماء الغدران ، فلما كان بعد الثالث رجع إليّ متغيّر اللون ذاهب العقل ، فقلت له بعد أن رجعت إليه نفسه : يا أبا الفيض أسبع عارضك ؟ فقال : لا . دعني من تخويف البشرية ، إني دخلت كهفا من كهوف هذا الجبل فرأيت رجلا أبيض الرأس واللحية أشعث أغبر نحيفا نحيلا كأنما أخرج من قبره ، ذا منظر مهول وهو يصلّي . فسلّمت عليه بعد ما سلّم . فردّ عليّ السلام وقام إلى الصلاة فما زال راكعا وساجدا حتى صلّى العصر واستند إلى حجر حذاء المحراب يسبّح ، لا يكلّمني . فبدأته بالكلام فقلت له : رحمك اللّه توصيني بشيء ، ادع اللّه عزّ وجل لي بدعوة ؟ فقال : يا بنيّ آنسك اللّه تعالى بقربه . ثم سكت . فقلت : زدني . فقال : يا بنيّ من آنسه اللّه بقربه أعطاه أربع خصال : عزّا من غير عشيرة ، وعلما من غير طلب ، وغنى من غير مال ، وأنسا من غير جماعة . ثم شهق شهقة فلم يفق إلا بعد ثلاثة أيام حتى توهمت أنه ميّت ، فلما كان بعد ثلاثة أيام قام فتوضأ من عين ماء إلى جنب الكهف وقال لي : يا بني كم فاتني من الفرائض ؟ صلاة أو صلاتان أو ثلاث ؟ قلت : قد فاتتك صلاة ثلاثة أيام بلياليهنّ فقال : إنّ ذكر الحبيب هيّج شوقي * ثم حب الحبيب أذهب عقلي