ابن الجوزي

287

صفة الصفوة

وقد استوحشت من ملاقاة المخلوقين ، وقد أنست بذكر رب العالمين ، انصرف عني بسلام . فقلت له : يرحمك اللّه وقفت عليك ثلاثة أيام رجاء الزيادة . وبكيت فقال : أحبب مولاك ولا ترد بحبّه بدلا ، فالمحبّون للّه تعالى هم تيجان العبّاد وعلم الزهّاد ، وهم أصفياء اللّه وأحبّاؤه . ثم صرخ صرخة فحرّكته فإذا هو قد فارق الدنيا . فما كان إلا هنيّة وإذا بجماعة من العبّاد منحدرين من الجبل حتى واروه تحت التراب . فسألت : ما اسم هذا الشيخ ؟ قالوا : شيبان المصاب . قال سالم : فسألت أهل الشام عنه فقالوا : كان مجنونا خرج من أذى الصبيان . قلت : تعرفون من كلامه شيئا ؟ قالوا : نعم ، كلمة واحدة كان يغنّي بها إذا ضجر : ( إذا بك لم أجنّ يا حبيبي فبمن ؟ ) قال سالم : فقلت عمّي واللّه عليكم . 877 - عباس المجنون عن ابن المبارك قال : صعدت جبل لبنان فإذا برجل عليه جبّة صوف مفتّقة الأكمام ، عليها مكتوب ، ( لا تباع ولا تشترى ) ، قد اتّزر بمئزر الخشوع ، واتّشح برداء القنوع . فلما رآني اختفى وراء شجرة . فناشدته باللّه فظهر فقلت : إنكم معاشر العبّاد تصبرون على الوحدة ، وتقاسون هذه القفار الموحشة ، فضحك ووضع كمّه على رأسه وأنشأ يقول : يا حبيب القلوب من لي سواكا * ارحم اليوم مذنبا قد أتاكا أنت سؤلي ومنيتي وسروري * قد أبى القلب أن يحبّ سواكا ليس سؤلي من الجنان نعيم * غير أنّي أريدها لأراكا قال : ثم غاب عني فتعاهدت ذلك الموضع سنة لأقع عليه فلم أره . فلقيني غلام أبي سليمان الداراني فسألته عنه وأعطيته صفته فبكى وقال : وا شوقاه إلى نظرة أخرى منه . فقلت : من هو ؟ قال : ذاك عباس المجنون ، يأكل في كل شهر أكلتين من ثمار الشجر ونبات الأرض ، يتعبد منذ ستين سنة .