ابن الجوزي

283

صفة الصفوة

869 - عابد آخر بلغنا عن بعض السلف أنه قال : مضيت إلى جبل اللكام فما رأيت أعبد من شابّ أصفر اللون ، كان يصفّ قدميه فيصلي ركعتين من أول الليل إلى آخره فيختم فيها القرآن ثم يجلس فيعتذر إلى الصباح . 870 - ومن عقلاء المجانين بجبل اللكام بلغنا عن ذي النون المصري قال : وصف لي رجل من أهل المعرفة في جبل اللّكام ، فقصدته فلقيني جماعة من المتعبّدين فسألتهم عنه ؟ فقالوا : يا ذا النون تسأل عن المجانين ؟ فقلت : وما الذي رأيتم من جنونه ؟ قالوا : نراه في أكثر أوقاته هائما ساهيا يكلّم فلا يجيب ، ويتكلّم فلا نفقه ما يقول ، وينوح في أكثر أوقاته على نفسه ويبكي فقلت في نفسي : ما أحسن أوصاف هذا المجنون . ثم قلت لهم : دلّوني عليه . فقالوا : إنه يأوي في الوادي الفلاني . انطلقت إلى الوادي فأشرفت على واد وعر ، فجعلت انظر يمينا وشمالا فإذا أنا بصوت محزون شجّ من وجد قلب وهو يقول : يا ذا الذي أنس الفؤاد بذكره * أنت الذي ما إن سواه أريد تفنى الليالي والزّمان بأسره * وهواك غضّ في الفؤاد جديد قال ذو النون : فاتبعت الصوت فإذا أنا بفتى حسن الوجه حسن الصوت ، وقد ذهبت تلك المحاسن وبقيت رسومها ، نحيل قد اصفرّ واحترق وهو شبيه بالواله الحيران . فسلمت عليه فردّ السلام وبقي شاخصا يقول : أعميت عيني عن الدنيا وزينتها * فأنت والرّوح شيء غير مفترق إذا ذكرتك وافى مقلتي أرق * من أول الليل حتى مطلع الفلق وما تطابقت الأجفان عن سنة * إلّا رأيتك بين الجفن والحدق ثم قال : يا ذا النون ما لك وطلب المجانين ؟ . قلت : أو مجنون أنت ؟ قال : قد سمّيت به . فقلت : مسألة ؟ فقال : سل ، قلت : أخبرني ما الذي حبّب إليك الانفراد وقطعك عن المؤانسين وهيّمك في الأودية ؟ قال : حبّي له هيّمني ، وشوقي