ابن الجوزي
284
صفة الصفوة
إليه هيّجني ، ووجدي به أفردني . ثم قال : يا ليت شعري يا فتى إلى متى تتركني مقلقلا في محبّتي ؟ فقلت : أخبرني أين محل الحبّ منك ؟ وأين مسكن الشوق فيك ؟ فقال : مسكن الحب سواد الفؤاد . قلت : فما الذي تجد في خلوتك ؟ قال : الحقّ سبحانه . قلت : كيف تجده ؟ قال : بحيث لا حيث . ثم قال : يا ذا النون أعجبك كلام المجانين ؟ قلت : إي واللّه وأشجاني ، ثم قلت له : ما صدق وجدانك للحقّ تعالى ؟ فصرخ صرخة ارتجّ لها الجبل . ثم قال : يا ذا النون هكذا موت الصادقين . ثم سقط إلى الأرض ميتا فتحيّرت في أمره ، لا أدري ما أصنع به ، وإذا به قد غاب عني فلا أدري أين ذهب . ذكر المصطفين من عباد جبل لبنان وهم على ضربين : معروف ومجهول فنبدأ بالمعروف 871 - علي الجرجرائي « 1 » كان من أستاذي بشر الحافي . وكان ينزل جبل لبنان . القاسم بن القاسم قال : بلغني أن بشرا الحافي لقي عليّا الجرجرائي بجبل لبنان على عين ماء . قال : فلما أبصرني قال : بذنب مني لقيت اليوم إنسيّا . فعدوت خلفه وقلت : أوصني . فالتفت إليّ وقال : أمستوص أنت ؟ عانق الفقر ، وعاشر الصبر ، وعاد الهوى ، وعاف الشهوات ، واجعل بيتك أحلى من لحدك يوم تنقل إليه ، على هذا طاب المسير إلى اللّه عزّ وجل . ذكر المصطفين من المجهولين الأسماء من عباد جبل لبنان 872 - عابد محمد بن حسان قال : بينا أنا أدور في جبل لبنان إذ خرج عليّ شابّ قد أحرقته السّموم والرياح ، عليه طمر رثّ ، وقد سقط شعر رأسه على حاجبيه . فلما نظر إليّ
--> ( 1 ) نسبة إلى جرجرايا وهي بلدة بين واسط وبغداد ناحية الشرق .