ابن الجوزي
282
صفة الصفوة
فاعتقل منها ظبية فحلبها حتى ملأ ذلك القدح ، ثم أرسلها . فلما سقط القرص « 1 » حساه . ثم قال : ما هو غير ما ترى ، وربما احتجت إلى الشيء من هذا فتجتمع حولي هذه الظباء فآخذ حاجتي وأرسلها . قلت : أبو إبراهيم اسمه أحمد بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ، معروف بالعلم والزهد ، وكان أحمد بن حنبل إذا رآه قام قائما . 867 - عابد آخر أبو صالح الدمشقي قال : كنت أدور في جبل اللّكّام أطلب الزهّاد والعبّاد فرأيت رجلا عليه مرقّعة جالسا على حجر مطرقا إلى الأرض ، فقلت له : يا شيخ ما تصنع ها هنا ؟ قال انظر وأرعى . فقلت له : ما أرى بين يديك إلا الحجارة ، فما الذي تنظر وترعى . قال : فتغير لونه ثم نظر إليّ مغضبا وقال : انظر خواطر قلبي ، وأرعى أوامر ربي وبحقّ الذي أظهرك عليّ إلّا جزت عني . فقلت : كلّمني بشيء أنتفع به حتى أمضي . فقال : من لزم الباب أثبت في الخدم ، ومن أكثر ذكر الذنوب أكثر من الندم ، ومن استغنى باللّه أمن العدم . ثم تركني ومضى . 868 - عابد آخر سريّ السّقطي قال : مكثت أربعين سنة أسأل اللّه عزّ وجل أن يريني وليا من أوليائه ، قال : فلم أر أحدا . فخرجت إلى الثّغر وصعدت جبل اللّكام بينما أنا أمشي في المحجّة إذ رأيت قوما جلوسا نحو ثلاثين نفسا مرضى ، عليهم ثياب خلقان ، فسلّمت عليهم ووقفت فقلت : لأي شيء أنتم جلوس في هذا القفر ؟ قالوا : نحن من هذه المدينة التي في أسفل الجبل إذا كان رأس كل شهر في مثل هذا اليوم في مثل هذا الموضع نجلس ، فإذا كان الظهر أقبل علينا رجل من هذا الموضع فنقوم إليه فيدعو اللّه لنا . فقعدت معهم . قال : فلما أن كان الظهر أقبل رجل أسمر شديد السمرة عليه مئزر صوف ، فقرأ على كل واحد قال : فلحقته قلت له : قف عليّ يرحمك اللّه أكلّمك . فالتفت إليّ وقال : يا سريّ لا تعامل غيره فتسقط من عينه .
--> ( 1 ) أي لما غربت الشمس .