ابن الجوزي
269
صفة الصفوة
موج من أمواج البحر ، وقام له الموج سرير على مثال وهو جالس عليه ننظر إليه من المركب . ثم قال : يا مولاي إن هؤلاء اتهموني وإني أقسم يا حبيب قلبي أن تأمر كل دابّة في هذا المكان أن تخرج رءوسها وفي أفواهها جوهر . قال ذو النون : فما تمّ كلامه حتى رأينا دوابّ البحر أمام المركب وحواليه قد أخرجت رءوسها وفي فم كل واحدة منها جوهر مضيء يتلألأ ويلمع ، ثم وثب الشاب من الموج إلى البحر وجعل يتبختر على متن الماء ويقول إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [ سورة الفاتحة آية 4 و 5 ] حتى غاب عن عيني . 845 - عابد آخر حكيم من الحكماء قال : مررت بعريش مصر وأنا أريد الرّباط ، فإذا أنا برجل في مظلّة « 1 » قد ذهبت عيناه ويداه ورجلاه ، وبه أنواع البلاء وهو يقول : الحمد للّه حمدا يوافي محامد خلقك بما أنعمت عليّ وفضّلتني على كثير ممن خلقت تفضيلا . فقلت : لأنظرنّ أشيء علمه أم ألهمه اللّه إلهاما ؟ فقلت : على أيّ نعمة من نعمه تحمده ؟ أم على أيّ فضيلة تشكره ؟ فو اللّه ما أرى شيئا من البلاء إلا وهو بك . فقال : ألا ترى ما قد صنع بي ؟ فو اللّه لو أرسل السماء عليّ نارا فأحرقتني ، وأمر الجبال فدكدكتني « 2 » ، وأمر البحار فغرّقتني ما ازددت له إلا حمدا وشكرا وإن لي إليك حاجة : بنيّة لي كانت تخدمني وتتعاهدني عند إفطاري انظر هل تحسّ بها ؟ . وقال عبد الوهاب بنيّ كان لي فقلت : واللّه إني لأرجو أن يكون لي في قضاء حاجة هذا العبد الصالح قربة إلى اللّه عزّ وجل . فخرجت أطلبها بين تلك الرمال فإذا السّبع قد أكلها . فقلت : إنا للّه وأنا إليه راجعون ، من أين آتي هذا العبد الصالح أخبره بموت ابنته ؟ فأتيته فقلت له : أنت أعظم عند اللّه منزلة أم أيوب عليه السلام ؟ ابتلاه اللّه في ماله وولده وأهله وبدنه حتى صار عرضا للناس ؟ فقال : لا بل أيوب . قلت : فإنّ ابنتك التي أمرتني أن أطلبها أصبتها وإذا السّبع قد أكلها . فقال :
--> ( 1 ) أي خيمة . ( 2 ) أي تهدمت .