ابن الجوزي
270
صفة الصفوة
الحمد للّه الذي لم يخرجني من الدنيا وفي قلبي منها شيء . فشهق شهقة فمات . فقلت : إنا للّه وإنا إليه راجعون ، من يعينني على غسله ودفنه ؟ فإذا أنا بركب يريدون الرّباط ، فأشرت إليهم فأقبلوا إليّ فأخبرتهم بالذي كان من أمره فغسلناه وكفّنّاه ودفنّاه في مظلّته تلك ، ومضى القوم . وبتّ ليلتي في مظلته آنسا به حتى إذا مضى من الليل قدر ثلثه إذا أنا به في روضة خضراء ، وإذا عليه حلّتان خضراوان ، وهو قائم يتلو القرآن . فقلت : ألست صاحبي بالأمس ؟ فقال : بلى . فقلت : فما صيّرك إلى ما أرى ؟ قال : وردت من الصابرين على درجة لم ينالوها ألّا بالصّبر عند البلاء ، والشّكر عند الرخاء . 846 - عابد آخر عمرو بن عثمان المكي قال : لقيت رجلا بين قرى مصر يدور . فقلت : ما لي أراك لا تقرّ بمكان ؟ قال : وكيف يقرّ مطلوب ؟ فقلت له : أوليس أنت في قبضته في كل مكان ؟ قال : بلى ، ولكن أخاف أن استوطن الأوطان فيأخذني على غرّة الاستيطان مع المغرورين . 847 - عابد آخر أبو بكر المصري قال : خرجت من عينونة « 1 » أريد الرّملة . فبينا أنا أمشي إذا بفقير يمشي حافي القدمين حاسر الرأس ، وعليه خرقتان متّزر بإحداهما مرتد بالأخرى ليس معه زاد ولا ركوة . فقلت في نفسي : لو كان مع هذا ركوة وحبل ، فإذا ورد الماء توضأ وصلّى كان خيرا له . فلحقت به وقد اشتدّت الهاجرة فقلت له : يا فتى لو جعلت هذه الخراقة التي على كتفيك على رأسك تتوقّى بها الشمس كان خيرا لك ، فسكت ومشى ، فلما كان بعد ساعة قلت له : أنت حاف ، أيّ شيء ترى في نعل تلبسها ساعة وأنا ساعة ؟ فقال : أراك كثير الفضول لم تكتب الحديث ؟ قلت : بلى . قال : فلم تكتب
--> ( 1 ) عينونة : قرية من قرى بيت المقدس .