ابن الجوزي

268

صفة الصفوة

من شاوروه فأبدى السرّ مجتهدا * لم يأمنوه على الأسرار ما عاشا وباعدوه فلم يسعد بقربهم * وأبدلوه من الإيناس إيحاشا لا يصطفون مذيعا بعض سرّهم * حاشا ودادهم من ذالكم حاشا 844 - عابد آخر عبد الملك بن هاشم قال : قلت لذي النون صف لنا من خيار من رأيت فذرفت عيناه وقال : ركبنا مرة البحر نريد جدّة ، معنا فتى من أبناء نيّف وعشرين سنة قد ألبس ثوبا من الهيبة ، فكنت أحبّ أكلّمه فلم أستطع فبينا نراه مصلّيا نراه قارئا ونراه مسبّحا . إلى أن رقد ذات يوم ووقعت في المركب تهمة فجعل الناس يفتش بعضهم بعضا إلى أن بلغوا إلى الفتى النائم . فقال صاحب الصرّة : لم يكن أحد أقرب إليّ من هذا الفتى النائم ، فلما سمعت ذلك قمت فأيقظته ، فما كلمني حتى توضأ للصلاة وصلّى أربع ركعات ، ثم قال : يا فتى ما تشاء ؟ فقلت : إن تهمة وقعت في المركب وإن الناس لم يزل يفتش بعضهم بعضا حتى بلغوا إليك فالتفت إلى صاحب الصرّة فقال : أكما يقول ؟ فقال : نعم لم يكن أحد أقرب إليّ منك ، فرفع الفتى يديه يدعو وخفت على أهل المركب من دعائه فيخيّل إلينا أن كل حوت في البحر ، قد خرجت في فم كل حوت درّة ، فقام الفتى إلى جوهرة في في « 1 » حوت فأخذها فألقاها إلى صاحب الصرّة وقال : في هذه عوض مما ذهب منك وأنت في حلّ . وقد رويت لنا هذه الحكاية على وجه آخر : يوسف بن الحسين قال : لما استأنست بذي النون المصريّ قلت : أيها الشيخ ما كان بدو شأنك وما أنت فيه ؟ قال : كنت شابّا صاحب لهو ولعب ، ثم إني تبت وتركت ذلك كله وخرجت حاجّا إلى بيت اللّه الحرام ومعي بضيّعة « 2 » فركبت في المركب مع تجّار من مصر ، وركب معنا شابّ صبيح كأنه يشرق وجهه . فلما توسّطنا فقد صاحب المركب كيسا فيه مال ، فأمر بحبس المركب وفتش من فيه وأتعبهم . فلما وصلوا إلى الشابّ ليفتش ، وثب وثبة من المركب حتى جلس على

--> ( 1 ) أي في فم . ( 2 ) تصغير بضاعة .