ابن الجوزي

263

صفة الصفوة

على اللّه عزّ وجل في الحال ، لا على الحال مع اللّه . ثم قال : اعقل فإنّ هذا من صفة التوحيد . محمد بن أحمد بن سلمة قال : سمعت ذا النون يقول ، وقد سألته عند الفراق أن يوصيني فقال : لا يشغلنّك عيوب الناس عن عيب نفسك ، لست عليهم برقيب . ثم قال : إن أحبّ عباد اللّه إلى اللّه عزّ وجل أعقلهم عنه ، وإنما يستدلّ على تمام عقل الرجل وتواضعه في عقله بحسن استماعه للمحدّث إن كان به عالما وسرعة قبوله للحق وإن كان ممن هو دونه ، وإقراره على نفسه بالخطأ إذا جاء منه . سعيد بن عثمان قال : سمعت ذا النون يقول : من ذكر اللّه على حقيقة نسي في جنبه كلّ شيء ، ومن نسي في جنب اللّه كلّ شيء حفظ اللّه عزّ وجل عليه كل شيء ، وكان له عوضا من كل شيء . قال : وسمعته يقول : أكثر الناس إشارة إلى اللّه في الظاهر أبعدهم من اللّه . قال : وسمعته يقول : إلهي إن كان صغر في جنب طاعتك عملي فقد كبر في جنب رجائك أملي . وسئل عن الآفة التي يخدع بها المريد عن اللّه عزّ وجل فقال : برؤية الكرامات . قيل فبم يخدع قبل وصوله إلى هذه الدرجة ؟ قال : بوطء الأعقاب وتعظيم الناس له . قال : وسمعته يقول : من ذبح حنجرة الطّمع بسيف اليأس ، وردم خندق الحرص ؛ ظفر بكيمياء الخدمة ، ومن استقى بحل الزّهد على دلو المعروف ؛ استقى من جبّ الحكمة ، ومن سلك أودية الكمد جنى حياة الأبد ، ومن حصد عشب الذنوب بمنجل الورع أضاءت له روضة الاستقامة ، ومن قطع لسانه بشفرة الصمت وجد عذوبة الراحة ، ومن تدرّع درع الصدق قوي على مجاهدة عسكر الباطل ، ومن فرح بمدحة الجاهل ألبسه الشيطان ثوب الحماقة . أبو عثمان ، سعيد بن عثمان ، قال : سمعت ذا النون يقول : ما طابت الدنيا إلا بذكره ، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه ، ولا طابت الجنة إلا برؤيته . يوسف بن الحسين قال : سمعت ذا النون يقول : دوام الفقر إلى اللّه تعالى مع التخليط أحبّ إليّ من دوام الصفاء مع العجب .