ابن الجوزي

264

صفة الصفوة

محمد بن عبد الملك قال : سمعت ذا النون يقول : ما أعزّ اللّه عزّ وجل عبدا بعزّ هو أعزّ له من أن يدلّه على ذل نفسه ، وما أذل اللّه عزّ وجل عبدا بذلّ هو أذلّ له من أن يحجبه عن ذل نفسه . هلال بن العلاء قال : قال ذو النون : من تطأطأ لقط رطبا ومن تعالى لقي عطبا . سعيد بن عثمان قال : سمعت ذا النون يقول : لا تثقنّ بمودّة من لا يحبّك إلا معصوما . وقال : من صحبك ووافقك على ما تحبّ ، وخالفك فيما تكره فإنما يصحب هواه ، ومن صحب هواه فإنما هو طالب راحة الدنيا . وسمعته يقول : كلّ مطيع مستأنس ، وكل عاص مستوحش ، وكل محب ذليل ، وكل خائف هارب ، وكل راج طالب . يوسف بن الحسين قال : سمعت ذا النون يقول : أنت ملك مقتدر وأنا عبد مفتقر ، أسألك العفو تذلّلا فأعطنيه تفضلا . وسمعته يقول : من المحال أن يحسن منك الظن ولا يحسن منه المنّ . أبو عثمان ، سعيد بن عثمان الخياط ، يقول : سمعت ذا النون يقول : لم أر شيئا أبعث لطلب الإخلاص مثل الوحدة ، لأنه إذا خلا لم ير غير اللّه ، فإذا لم ير غير اللّه لم يحرّكه إلا حكم اللّه ، ومن أحبّ الخلوة فقد تعلق بعمود الإخلاص . قال الفتح بن شخرف : دخلت على ذي النون عند موته فقلت له : كيف تجدك ؟ فقال : أموت وما ماتت إليك صبابتي * ولا رويت من صدق حبك أوطاري مناي المنى كلّ المنى أنت لي منى * وأنت الغنى كلّ الغنى عند إقتاري وأنت مدى سؤلي وغاية رغبتي * وموضع آمالي ومكنون إضماري تضمّن قلبي منك ما لك قد بدا * وإن طال سري فيك أو طال إظهاري وبين ضلوعي منك ما لا أبثّه * ولم أبد بادية لأهل ولا جار سرائر لا يخفى عليك خفيّها * وإن لم أبح حتى التنادي بأسراري فهب لي نسيما منك أحيا بروحه * وجدلي بيسر منك يطرد إعساري