ابن الجوزي

262

صفة الصفوة

والملائكة وقوف بين يدي الجبّار ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار ؟ ثم قال : مثّلوا هذا في نفوسهم وجعلوه نصب أعينهم . قال : وسمعت رجلا يسأل ذا النون : متى تصحّ عزلة الخلق ؟ فقال : إذا قويت على عزلة النفس . يوسف بن الحسين قال : قلت لذي النون في وقت مفارقتي له : من أجالس ؟ قال : عليك بصحبة من تذكّرك اللّه عزّ وجل رؤيته ، وتقع هيبته على باطنك ، ويزيد في عملك منطقه ، ويزهّدك في الدنيا عمله ، ولا تعصي اللّه ما دمت في قربه ، يعظك بلسان فعله ، ولا يعظك بلسان قوله . وسمعت ذا النون يقول سقم الجسد في الأوجاع ، وسقم القلوب في الذنوب ، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه ، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب . وسمعته يقول : من لم يعرف قدر النّعم سلبها من حيث لا يعلم . يوسف بن الحسين قال : سمعت ذا النون يقول : ما خلع اللّه عزّ وجل على عبد من عبيده خلعة من العقل ، ولا قلّده قلادة أجمل من العلم ، ولا زيّنه بزينة أفضل من الحلم ، وكمال ذلك كله التقوى . عبد القدوس بن عبد الرحمن قال : سمعت ذا النون يقول : إلهي لو أصبت موئلا في الشدائد غيرك ، أو ملجأ في النّوازل سواك لحقّ لي أن لا أعرض إليه بوجهي عنك ، ولا أختاره عليك لقديم إحسانك إليّ وحديثه ، وظاهر منّتك عليّ وباطنها ، ولو تقطّعت في البلاء إربا إربا أو انصبّت علي الشدائد صبّا صبّا ولا أجد مشتكى لبثّي غيرك ولا مفرّجا لما بي سواك ، فيا وارث الأرض ومن عليها ، ويا باعث جميع من فيها ورّث آملي فيك مني أملي ، وبلغ همّتي فيك منتهى وسائلي . محمد بن أحمد بن سلمة النيسابوري قال : سمعت ذا النون يقول : احذر أن تنقطع عنه فتكون مخدوعا . قلت : فكيف ذلك ؟ قال : لأن المخدوع من ينظر إلى عطاياه فينقطع عن النظر إليه بالنظر إلى عطاياه . ثم قال : تعلّق الناس بالأسباب تعلّق الصدّيقون بوليّ الأسباب . ثم قال : علامة تعلّق قلوبهم بالعطايا طلبهم منه العطايا ، ومن علامة تعلّق قلب الصديق بوليّ العطايا انصباب العطايا عليه وشغله عنها به . ثم قال : ليكن اعتمادك