ابن الجوزي

250

صفة الصفوة

أتحرقني بالنار يا غاية المنى * فأين رجائي فيك ؟ أين محبّتي ؟ أحمد بن أبي الحواريّ قال : سمعت رابعة تقول : إني لأظنّ باللقمة الطيبة أن أطعمها نفسي ، وإني لأرى ذراعي قد سمن فأحزن . قال : وربما قلت لها : أصائمة أنت اليوم ؟ فتقول : ما مثلي يفطر في الدنيا . قال : وربما نظرت إلى وجهها ورقبتها فيتحرّك قلبي على رؤيتها ما لا يتحرّك مع مذاكراتي أصحابنا من أثر العبادة . وقالت لي : لست أحبك حبّ الأزواج إنما أحبك حبّ الإخوان ، وإنما رغبت فيك رغبة في خدمتك ، وإنما كنت أحبّ وأتمنى أن يأكل [ ملكي و ] ما لي مثلك ومثل إخوانك . قال أحمد : وكانت لها سبعة آلاف درهم فأنفقتها عليّ . فكانت إذا طبخت قدرا قالت : كلّها يا سيدي فما نضجت إلا بالتّسبيح . وقالت لي : لست أستحل أن أمنعك نفسي وغيري ، اذهب فتزوّج . قال : فتزوّجت ثلاثا ، وكانت تطعمني اللحم وتقول : اذهب بقوّتك إلى أهلك . وكنت إذا أردت جماعها نهارا قالت : أسألك باللّه لا تفطّرني اليوم ، وإذا أردتها بالليل قالت : أسألك باللّه لما وهبتني للّه الليلة . أحمد بن أبي الحواريّ قال : سمعت رابعة تقول : ما سمعت الأذان إلّا ذكرت منادي القيامة ، ولا رأيت الثلج إلا رأيت تطاير الصّحف ، ولا رأيت جرادا إلا ذكرت الحشر . أحمد بن أبي الحواريّ قال : قالت لنا رابعة : نحّوا عني ذلك الطّست ، فإنما عليه مكتوب : مات أمير المؤمنين هارون الرشيد . قال أحمد : فنظروا فإذا هو مات ذلك اليوم . أحمد بن أبي الحواريّ قال : سمعت رابعة تقول : ربما رأيت الجنّ يذهبون ويجيئون ، وربما رأيت الحور العين يستترن مني بأكمامهنّ . وقالت بيدها على رأسها . قال أحمد : ودعوت رابعة فلم تجبني ، فلما كان بعد ساعة أجابتني وقالت : إنما منعني من أن أجيبك أن قلبي قد كان امتلأ فرحا باللّه ، فلم أقدر أن أجيبك .