ابن الجوزي

251

صفة الصفوة

824 - أم هارون عبد العزيز بن عمير قال : قالت أم هارون ، وكانت من الخائفين العابدين : قد أنزلت الدنيا منزلتها . وكانت تأكل الخبز وحده . قالت : بأبي الليل ما أطيبه ، إني لاغتمّ بالنهار حتى يجيء الليل ، فإذا جاء الليل قمت أوّله ، فإذا جاء السّحر دخل الرّوح قلبي . قال أحمد بن أبي الحواريّ : وخرجت أم هارون من قريتها تريد موضعها . فصاح صبيّ بصبيّ خذوه . فسقطت أم هارون فوقعت على حجر فدميت ، فظهر الدم من مقنعتها . قال : وقال أبو سليمان : من أراد أن ينظر إلى صعق صحيح فلينظر إلى أم هارون . وقال أبو سليمان : ما كنت أرى أنه يكون بالشام مثلها . قال أحمد بن أبي الحواريّ : وقالت لي رابعة : ما دهنت أمّ هارون رأسها منذ عشرين سنة . فإذا كشفنا رؤوسنا كان شعرها أحسن من شعورنا . وبالإسناد قال أبو بكر القرشي : وبلغني عن القاسم الجوعي قال : مرضت أم هارون فأتينا نعودها أنا وصاحب لي ، فدخلنا عليها وهي على طرف الدرجة فسألناها عن حالها . فقلت لها : أم هارون أيكون من العبّاد من يشغله خوف النيران عن الشوق إلى الجنان ؟ فقالت : آه وسقطت عن الدرجة مغشيا عليها . قال قاسم : وكانت أم هارون تأتي بيت المقدس من دمشق كل شهر مرة على رجليها . فدخلت عليها فقالت : يا قاسم كنت أمشي ببيسان فإذا قد عرض لي هذه الكلب الأسد فمشى نحوي . فلما قرب مني نظرت إليه فقلت : تعال يا كلب ، إن كان لك رزق فكل . فلما سمع كلامي أقعى ثم ولّى راجعا . أحمد بن أبي الحواريّ قال : قلت لأم هارون : أتحبين الموت ؟ قالت : لا . قلت : ولم ؟ قالت : لو عصيت آدميّا ما أحببت لقاءه ، فكيف أحبّ لقاء اللّه وقد عصيته .