ابن الجوزي

243

صفة الصفوة

ومن عقلاء مجانين الشام 818 - عابد عبد الواحد بن زيد قال : خرجت إلى الشام في طلب العباد فجعلت أجد الرجل بعد الرجل شديد الاجتهاد حتى قال لي رجل : قد كان ها هنا رجل من النحو الذي تريد ، ولكنا فقدنا من عقله ، فلا ندري ، يريد أن يحتجب من الناس بذلك أم هو شيء أصابه ؟ قلت : وما أنكرتم منه ؟ قال : إذا كلمه أحد قال : الوليد وعاتكة ، لا يزيده عليه . قال : قلت فكيف لي به ؟ قال : هذه مدرجته « 1 » . فانتظرته فإذا برجل واله ، كريه الوجه ، كريه المنظر ، وافر الشعر ، متغير اللون وإذا الصبيان حوله وخلفه وهو ساكت يمشي ، وهم خلفه سكوت يمشون وعليه أطمار دنسة . قال : فتقدمت إليه فسلّمت عليه ، فالتفت إليّ فردّ عليّ السلام . فقلت : يرحمك اللّه إني أريد أن أكلّمك . فقال : الوليد وعاتكة . قلت : قد أخبرت بقصتك . فقال الوليد وعاتكة . ثم مضى حتى دخل المسجد ورجع الصبيان الذين كانوا يتبعونه فاعتزل إلى سارية فركع فأطال الركوع ثم سجد ، فدنوت منه فقلت : رحمك اللّه ، رجل غريب يريد أن يكلّمك ويسألك عن شيء ، فإن شئت فأطل وإن شئت فأقصر ، فلست ببارح حتى تكلّمني . قال وهو في سجوده ، يدعو ويتضرّع ، ففهمت عنه ، وهو يقول : سترك سترك ، قال : فأطال السّجود حتى سئمت فدنوت منه فلم أسمع له نفسا ولا حركة . قال : فحرّكته فإذا هو ميّت كأنه قد مات من دهر طويل . قالت فخرجت إلى صاحبي الذي دلّني عليه فقلت : تعال فانظر إلى الذي زعمت أنك أنكرت من عقله . وقصصت عليه قصّته . قال فهيّأناه ودفنّاه .

--> ( 1 ) أي طريقه الذي يمشي فيه .