ابن الجوزي
230
صفة الصفوة
في زمان قد رقّ فيه الورع وقلّ فيه الخشوع ، وحمل العلم مفسدوه فأحبّوا أن يعرفوا بحمله ، وكرهوا أن يعرفوا بإضاعة العمل به ، فنطقوا فيه بالهوى ليزيّنوا ما دخلوا فيه من الخطر ، فذنوبهم ذنوب لا يستغفر منها ، وتقصيرهم تقصير لا يعترف به . أحبّوا الدنيا وكرهوا منزلة أهلها فشاركوهم في العيش وزايلوهم « 1 » بالقول . أبو عبيد العسقلاني قال : رأيت أبا عبيدة الساحلي لم يضحك أربعين سنة . فقيل له : لم لا تضحك ؟ فقال : كيف أضحك أنا وفي أيدي المشركين من المسلمين أحد . عبد الأعلى بن سليمان قال : رأيت أبا عبيدة الخوّاص على سرّته خرقة ، وعلى رقبته خرقة وهو يمشي في طريق البصرة . وهو يقول وا شوقاه إلي من يراني ولا أراه . أحمد بن الحواريّ قال : دخل عباد الخواص على إبراهيم بن صالح وهو أمير فلسطين ، فقال له : يا شيخ عظني ؟ فقال : بم أعظك أصلحك اللّه ؟ بلغني أن أعمال الأحياء تعرض على أقاربهم من الموتى ، فانظر ما يعرض على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من عملك . فبكى حتى سالت الدموع على لحيته . عن بشر بن الحارث قال : رأيت على جبال عرفة رجلا قد ولع به الوله وهو يقول : سبحان من سجدنا بالعيون له * على شبا الشّوك والمحمى من الإبر لم نبلغ العشر من معشار نعمته * ولا العشير ولا عشرا من العشر هو الرفيع فلا الأبصار تدركه * سبحانه من مليك نافذ القدر سبحان من هو أنسي إذ خلوت به * في جوف ليلي ، وفي الظلماء والسحر أنت الحبيب وأنت الحبّ يا أملي * من لي سواك ومن أرجوه يا ذخري ثم أنشد أيضا : كم قد زللت فلم أذكرك في زللي * وأنت يا سيدي في الغيب تذكرني كم أكشف السّتر جلا عند معصيتي * وأنت تلطف بي حقا وتسترني لأبكينّ بدمع العين من أسف * لأبكينّ بكاء الوله الحزن
--> ( 1 ) زايلوهم بالقول أي فارقوهم وابتعدوا عنهم .