ابن الجوزي

227

صفة الصفوة

797 - أبو معاوية الأسود واسمه اليمان . نزل طرسوس أحمد بن وديع قال : قال أبو معاوية الأسود : إخواني كلّهم خير مني . قيل له : وكيف ذلك يا أبا معاوية ؟ قال : كلّهم يرى الفضل لي على نفسه ، ومن فضّلني على نفسه فهو خير مني . أحمد بن فضيل العتكي قال : غزا أبو معاوية الأسود . فحصر المسلمون حصنا فيه علج « 1 » لا يرمي بحجر ولا نشّاب إلا أصاب . فشكوا إلى أبي معاوية فقرأ وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [ سورة الأنفال آية 17 ] . ثم قال : استروني منه . فلما وقف قال : أين تريدون بإذن اللّه ؟ قالوا : المذاكير قال : يا رب سمعت ما سألوني فأعطني ما سألوني . بسم اللّه ، ثم رمى فمرّ السهم حتى إذا قرب من الحائط ارتفع حتى أخذ العلج مذاكيره فوقع . فقال : شأنكم به . جعفر بن محمد بن الحسين بن زيد بن مسلم الرامهرمزي قال : سمعت أبي يقول : سمعت أبا معاوية الأسود يقول ، وهو على سور طرسوس ، من جوف الليل ، يبكي ويقول : ألا من كانت الدنيا من أكبر همّه طال في القيامة غدا همّه . ومن خاف ما بين يديه ضاق في الدنيا ذرعه . ومن خاف الوعيد ، لهي من الدنيا عما يريد ، يا مسكين إن كنت تريد لنفسك الجزيل ، فأقلل نومك بالليل إلا القليل ، اقبل من اللبيب الناصح ، إذا أتاك بأمر واضح ، لا تهتمنّ بأرزاق من تخلّف ، فلست أرزاقهم تكلّف ، وطّن نفسك للمقال ، إذا وقفت بين يدي ربّ العزة للسؤال ، قدّم صالح الأعمال ، ودع عنك كثرة الأشغال ، بادر ثم بادر ، قبل نزول ما تحاذر ، إذا بلغ روحك التّراقي ، وانقطع عنك من أحببت أن تلاقي ، كأني بها وقد بلغت الحلقوم ، وأنت في سكرات الموت مغموم ، وقد انقطعت حاجتك إلى أهلك ، وأنت تراهم حولك . وبقيت مرتهنا بعملك ، الصبر ملاك الأمر ، وفيه أعظم الأجر ، فاجعل ذكر اللّه من جلّ شأنك ، واملك فيما سوى ذلك لسانك . ثم بكى أبو معاوية بكاء شديدا . ثم قال : أوّه من يوم يتغير فيه لوني ، ويتلجلج فيه لساني ، ويجفّ فيه ريقي ، ويقلّ فيه زادي . فقيل له : يا أبا معاوية من قال هذا الكلام ؟ فقال لحكيم .

--> ( 1 ) أي كفار العجم والجمع علوج .