ابن الجوزي

222

صفة الصفوة

ابن حبيق قال : قال يوسف بن أسباط : إذا رأيت الرجل قد أشر وبطر فلا تعظه فليس للعظة فيه موضع . القرقساني قال : أتى يوسف بن أسباط بباكورة ثمرة فقبّلها ثم وضعها بين يديه وقال : إن الدنيا لم تخلق لينظر إليها وإنما خلقت لينظر بها إلى الآخرة . أبو جعفر الحذّاء قال : سألت شعيب بن حرب عن يوسف بن أسباط فقال : ما أقدّم عليه أحدا من هذه الأمة . البرّ عشرة أجزاء تسعة منها في طلب الحلال وسائر البرّ في جزء واحد ، وقد أخذ يوسف التسعة وشرك الناس في العاشر . تميم بن سلم قال : قلت ليوسف بن أسباط : ما غاية الزّهد ؟ قال : لا تفرح بما أقبل ، ولا تأسف على ما أدبر ، قلت : فما غاية التواضع ؟ قال : أن تخرج من بيتك فلا تلقى أحدا إلا رأيت أنه خير منك . عبد اللّه بن حبيق عن أبيه قال : قال لي يوسف بن أسباط : خرجت سحرا لأؤذّن ، فإذا عليّ ليل « 1 » . فقعدت فإذا أسود مقبل وفي يده حجر يريد أن يضربني ووراءه شيء أبيض ، بيده حجر يريد أن يصرفه عني فصرفه . فقلت : هذان شيطانان يريدان أن يرياني أنّي رجل صالح . فقلت : كلاكما شيطانان . فطارا . أدرك يوسف بن أسباط حبيب بن حسّان ، ومحلّ بن خليفة ، والسّريّ بن إسماعيل ، وعابد بن شريح والثوري في آخرين . وقالت زوجته : كان يقول : أشتهي من ربي ثلاث خصال . قلت : وما هنّ ؟ قال : أشتهي أن أموت حين أموت وليس في ملكي درهم ، ولا يكون عليّ دين ، ولا على عظمي لحم . قالت : فأعطي ذلك كله . ولقد قال لي في مرضه : أبقي عندك نفقة ؟ فقلت : لا . قال : فما ذا ترين ؟ قلت : أخرج هذه الخابية للبيع . فقال : يعلم الناس بحالنا ويقولون ما باعوها إلا وثمّ حاجة شديدة . فأخرج إليّ شيئا كان أهداه إليه بعض إخوانه فباعه بعشرة دراهم ، وقال : اعزلي منها درهما لحنوطي وأنفقي باقيها . فمات وما بقي غير الدرهم . وتوفي يوسف بن أسباط قبل المائتين بسنة .

--> ( 1 ) أي لم يحن وقت الأذان .