ابن الجوزي

221

صفة الصفوة

شرّ إلا وقع في أشرّ منه ، وإنما يطيب الموضع بأهله ، فقد ذهب من يؤنس به ويستراح إليه ، وإذا علم اللّه منك الصّدق رجوت أن لا يضيع لك ، وإن كان الصدق قد رفع من الأرض . قال حذيفة المرعشي : كتب إليّ يوسف بن أسباط : أما بعد ، فإني أوصيك بتقوى اللّه ، والعمل بما علّمك اللّه عزّ وجل ، والمراقبة حيث لا يراك أحد إلا اللّه عزّ وجل ، والاستعداد لما ليس لأحد فيه حيلة ، ولا تنفع الندامة عند نزوله ، فاحسر « 1 » عن رأسك قناع الغافلين ، وانتبه من رقدة الموتى ، وشمّر للسّباق غدا فإن الدنيا ميدان المسابقين ، ولا تغترّ بمن أظهر النّسك ، وتشاغل بالوصف ، وترك العمل بالموصوف واعلم يا أخي أنه لا بدّ لي ولك من المقام بين يدي اللّه عزّ وجل ، يسألنا فيه عن الدقيق الخفيّ وعن الجليل الجافي « 2 » ، ولست آمن أن يسألني وإياك عن وساوس الصدور ، ولحظات العيون ، وإصغاء الأسماع ، وما عسى أن يعجز مثلي عن صفته ، واعلم أنه مما وصف به منافقوا هذه الأمة أنهم خالطوا أهل الدنيا بأبدانهم وطابقوهم عليها بأهوائهم ، وخضعوا لما طمعوا من نائلهم ، وداهن بعضهم [ بعضا ] في القول والفعل ، فأشر وبطر قولهم ، ومر خبيث فعلهم ، تركوا باطن العمل بالتصحيح فحرمهم اللّه تعالى بذلك الثمن الربيح ، واعلم يا أخي أنه لا يجزي من العمل القول ، ولا من البذل العدة ، ولا من التقوى ولا من التوقّي التلاوم ، وقد صرنا في زمان هذه صفة أهله فمن كان كذلك فقد تعرّض للمقت وصدّ عن سواء السبيل . وفقنا اللّه عزّ وجلّ وإياك لما يحب ويرضى . عبد اللّه بن حبيق قال : سمعت يوسف بن أسباط يقول : يرزق الصادق ثلاث خصال : الحلاوة والملاحة والمهابة . المسيّب بن واضح قال : قدم ابن المبارك فاستأذن على يوسف فلم يأذن له ، فقلت له : ما لك لم تأذن له ؟ قال : إني إن أذنت له أردت أن أقوم بحقّه ولا أفي به .

--> ( 1 ) أي اكشف عن رأسك . ( 2 ) أي الثقيل الغليظ .