ابن الجوزي

202

صفة الصفوة

فاجتمع وهواك عليك فغلبا واسترجعا من بدنك من السآمة ما قد ولي عنك ، فعند مراجعته إياك لا تنتفع نفسك من بدنك بنافعة ، وبادر يا أخي فإنك مبادر بك ، وأسرع فإنك مسروع بك ، وجدّ فإن الأمر جدّ ، وتيقظ من رقدتك وانتبه من غفلتك ، وتذكر ما أسلفت وقصّرت ، وأفرطت وجنيت وعملت فإنه مثبت محصيّ ، وكأنك بالأمر قد بغتك فاغتبطت بما قدمت وندمت على ما فرّطت ، فعليك بالحياء والمراقبة والاعتزال وقلّة الملاقاة . فإن السلامة في ذلك موجودة - وفقنا اللّه وإياك لأرشد الأمور ولا قوة بنا وبك إلا باللّه وصلّى اللّه على سيدنا محمد نبينا وعلى آله الطاهرين . 766 - أبو عبّاد الشامي إبراهيم بن منصور بن عمار قال : سمعت أبي يقول : قال لي رجل بالشام : يا أبا السّريّ عندنا رجل من العبّاد من أهل واسط العراق لا يأكل إلا من كدّ يديه ، وقد دبرت من سفّ الخوص صفحة يديه ولو رأيته لو قذك « 1 » النظر إليه ، فهل لك أن تمضي بنا إليه ؟ قلت : نعم فأتيناه فدققنا عليه بابه فخرج إلى الباب فسمعته يقول : اللهم إني أعوذ بك ممن جاء ليشغلني عما أتلذّذ به من مناجاتك ، ثم فتح الباب فدخلنا فإذا رجل ترى به الآخرة ، وإذا قبر محفور ووصيته قد كتبها في الحائط ، وكساؤه قد أعدّه لكفنه . فقلت أيّ موقف لهذا الخلق ؟ فقال : بين يدي من ؟ قال : ثم صاح وخرّ لوجهه . ثم أفاق من غشيته فقال له صاحبي : يا أباد عبّاد هذا أبو السّريّ منصور بن عمار ، فقال لي : مرحبا يا أخي ما زلت إليك مشتاقا . أعلمك أنّ بي داء قد أعيا المتطببين قبلك قديما ، فهل لك أن تتأتى له برفقك وتلصق عليه بعض مراهمك لعل اللّه أن ينفع بك ؟ . قال : قلت : وكيف يعالج مثلي مثلك وجرحي أنغل « 2 » من جرحك ؟ قال : وإن كان كذلك فإني مشتاق إلى ذلك . قال : قلت : إن كنت تمسكت باحتفار قبرك في بيتك وبوصيّة رسمتها بعد وفاتك وبكفن أعددته ليوم موتك ، فإن للّه عزّ وجل عبادا

--> ( 1 ) أي آذاك . ( 2 ) أي أكثر فسادا وسوءا .