ابن الجوزي

160

صفة الصفوة

عمران بن موسى الطّرسوسي قال : مرّ فتح الموصلي بصبيّين مع أحدهما كسرة عليها عسل ومع الآخر كسرة عليها كامخ « 1 » . فقال الذي معه الكامخ للذي معه العسل : أطعمني من خبزك قال : إن كنت كلبا لي أطعمتك . قال : نعم . فأطعمه من خبزه وجعل في فمه خيطا وجعل يقوده فقال فتح : لو رضيت بخبزك ما كنت كلبا لهذا . قال أبو موسى فهكذا الدنيا . عثمان بن عمارة قال : غبت غيبة فلما قدمت لقيت فتحا الموصلي في حانوت سالم الدّورقي . فقال لي : يا بصريّ أيّ شيء رأيت في غيبتك ؟ فقلت : رأيت عجائب كثيرة وأخبارا مختلفة . فصاح صيحة . فقلت : أنت تصيح من الخبر ، فكيف لو شاهدت القيامة أو شاهدت صاحب القيامة ؟ فشهق شهقة ووثب من الحانوت فخرّ مغشيا عليه فحملناه فأدخلناه الحانوت فما زال مغشيا عليه إلى العصر ، فلما صليت العصر تنفّس ثم فتح عينيه . رياح بن الجراح العبديّ قال : جاء فتح الموصلي إلى منزل صديق له يقال له عيسى التمّار فلم يجده في المنزل ، فقال للخادمة : أخرجي إليّ كيس أخي ، فأخرجته فأخذ منه درهمين ، وجاء عيسى إلى منزله فأخبرته الجارية بمجيء فتح وأخذه الدّرهمين فقال : إن كنت صادقة فأنت حرّة . فنظر فإذا هي صادقة فعتقت . محمد بن عبد الرحمن بن حبيب الطفاوي قال : دخلت على فتح الموصلي وهو يوقد بالآجرّ . وكان فتح رجلا من العرب ، وكان شريفا زاهدا . عبد اللّه بن الفرج العابد قال : كان بالموصل رجل نصراني يكنى أبا إسماعيل ؛ قال : فمرّ ذات ليلة برجل وهو يتهجّد على سطحه وهو يقرأ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ [ سورة آل عمران : آية 83 ] قال : فصرخ أبو إسماعيل صرخة غشي عليه فلم يزل على حاله تلك حتى أصبح فلما أصبح أسلم ثم أتى فتحا الموصلي فاستأذنه في صحبته فكان يصحبه ويخدمه . قال : وبكى أبو إسماعيل حتى ذهبت إحدى عينيه وعشي « 2 » من الأخرى ،

--> ( 1 ) الكامخ : إدام يؤتدم به . ( 2 ) الأعشى : الذي لا يبصر ليلا .