ابن الجوزي
161
صفة الصفوة
فقلت له ذات يوم : حدّثني ببعض أمر فتح الموصلي . قال فبكى ثم قال : أخبرك عنه : كان واللّه كهيئة الرّوحانيّين ، معلّق القلب بما هناك ، ليست له في الدنيا راحة . قلت : على ذاك قال : شهدت العيد ذات يوم بالموصل ورجع بعد ما تفرّق الناس ورجعت معه فنظر إلى الدّخان يفور من نواحي المدينة فبكى ثم قال : قد قرّب الناس قربانهم ، فليت شعري ما فعلت في قرباني عندك أيّها المحبوب ؟ ثم سقط مغشيا عليه . فجئت بماء فمسحت به وجهه ، فأفاق ثم مضى حتى دخل بعض أزقّة المدينة رفع رأسه إلى السماء ثم قال : قد علمت طول غمّي وحزني وتردادي في أزقّة الدنيا ، فحتى متى تحبس أيّها المحبوب ؟ ثم سقط مغشيّا عليه فجئت بماء فمسحت على وجهه فأفاق . فما عاش بعد ذلك إلا ايّاما حتى مات رحمه اللّه . إبراهيم بن موسى قال : رأيت فتحا الموصلي في يوم عيد أضحى وقد شمّ ريح القتار « 1 » ، فدخل إلى زقاق فسمعته يقول : تقرّب المتقرّبون بقربانهم وأنا أتقرّب إليك بطول حزني يا محبوب ، كم تتركني في أزقّة الدنيا محبوسا ؟ ثم غشي عليه وحمل فدفنّاه بعد ثلاث . إسماعيل بن هشام ، عن بعض أصحاب فتح الموصلي قال : دخلت عليه يوما وقد مدّ كفّيه يبكي ، حتى رأيت الدموع من بين أصابعه تنحدر . فدنوت منه لأنظر إليه فإذا دموعه قد خالطتها صفرة . فقلت : باللّه يا فتح بكيت الدم ؟ فقال : لولا أنك حلّفتني باللّه عزّ وجل ما أخبرتك ، بكيت دما . فقلت : على ما ذا بكيت الدموع ؟ وعلى ما ذا بكيت الدم فقال : بكيت الدموع على تخلّفي عن واجب حقّ اللّه عزّ وجل ، وبكيت الدم على الدموع خوفا أن تكون ما صحّت لي الدّموع . قال الرجل : فرأيت فتحا بعد موته في المنام . فقلت : ما صنع اللّه بك ؟ فقال غفر لي ، قلت : فما صنع في دموعك ؟ فقال : قرّبني ربّي عزّ وجل وقال لي : يا فتح ؛ الدّمع على ما ذا ؟ قلت : يا ربّ على تخلّفي عن واجب حقّك قال : فالدّم لم بكيت ؟ فقلت : يا ربّ على دموعي خوفا أن لا تصحّ لي فقال لي : يا فتح ما أردت
--> ( 1 ) أي رائحة الشواء .