ابن الجوزي
153
صفة الصفوة
فقام الخراساني إلى المحراب وصلّى ركعتين ثم أتاه بثوب جديد وطبق فيه فاكهة وأعطاه السائل . قال ذو النون : فقلت له : يا عبد اللّه لك هذا الجاه عند اللّه عزّ وجل وأنت منذ سبعة أيام لم تطعم شيئا ؟ فجثا على ركبتيه وقال : يا أبا الفيض ، كيف نبسط الألسن بالمسألة والقلوب ممتلئة بأنوار الرضا عنه ؟ قال ذو النون : فقلت له : فالراضون لا يسألون شيئا . فقال : منهم من يسأل من باب الادلال ، ومنهم من يملؤه غنى به ، ومنهم من يستخرج المسألة منه عطفه على غيره . ثم أقيمت الصلاة فصلّى معنا العشاء الآخرة وأخذ ركوته وخرج من المسجد كأنه يريد الطهارة . فلم أره بعد ذلك « رضي اللّه عنه وأرضاه » . 720 - عابد من وراء النهر عبد اللّه بن الفرج قال : حدثني إبراهيم بن أدهم بابتدائه كيف كان ، قال : كنت يوما في مجلس « لي » له منظرة إلى الطريق فإذا أنا بشيخ عليه أطار ، وكان يوما حارا فجلس في فيء القصر ليستريح فقلت للخادم : اخرج إلى هذا الشيخ فأقرئه مني السلام وسله أن يدخل ألينا فقد أخذ بمجامع قلبي . فخرج إليه فقام معه فدخل إليّ فسلم فرددت عليه السلام واستبشرت بدخوله ؛ وأجلسته إلى جانبي وعرضت عليه الطعام فأبى أن يأكل . فقلت له : من أين أقبلت ؟ فقال : من وراء النهر . فقلت : أين تريد ؟ قال : الحج إن شاء اللّه . قال وكان ذلك أول يوم من العشر أو الثاني . فقلت : في هذا الوقت ؟ قال : يفعل اللّه ما يشاء . فقلت : فالصّحبة ؟ فقال : إن أحببت ذلك . حتى إذا كان الليل قال لي : قم فلبست ما يصلح للسفر وأخذ بيدي وخرجنا من بلخ فمررنا بقرية لنا فلقيني رجل من الفلاحين فأوصيته ببعض ما أحتاج إليه فقدّم إلينا خبزا وبيضا ، وسألنا أن نأكل فأكلنا ، وجاء بماء فشربنا ثم قال : بسم اللّه قم ، فأخذ بيدي فجعلنا نسير وأنا انظر إلى الأرض تجذب من تحتنا كأنها الموج فمررنا