ابن الجوزي
91
صفة الصفوة
أبو خالد الأحمر قال : مررت أنا وسفيان الثوري بمنزل داود الطائي فقال لي سفيان : ادخل بنا نسلّم عليه . فدخلنا إليه فما احتفل بسفيان ولا انبسط إليه . فلما خرجنا قلت له : يا أبا عبد اللّه غاظني ما صنع بك . قال : وأيّ شيء صنع بي ؟ قلت : لم يحفل بك ولم ينبسط إليك . قال : إن أبا سليمان لا يتّهم في مودة ، أما رأيت عينيه ؟ هذا في شيء غير ما نحن فيه . أبو عمران قال : حدثني أسود بن سالم أن داود الطائي كان يقول : سبقني العابدون وقطع بي ، وا لهفاه . محمد بن اشكاب قال : حدثني رجل من أهل داود الطائي قال : قلت له يوما : يا أبا سليمان قد عرفت الرّحم التي بيننا فأوصني قال : فدمعت عيناه . ثم قال يا أخي إنما الليل والنهار مراحل ينزلها الناس مرحلة مرحلة حتى ينتهي بهم ذلك إلى آخر سفرهم ، فإن استطعت أن تقدم في كل مرحلة زادا لما بين يديها فافعل ، فإن انقطاع السفر عن قريب والأمر أعجل من ذلك ، فتزود لسفرك واقض ما أنت قاض من أمرك ، فكأنك بالأمر قد بغتك ، إني لأقول لك هذا وما أعلم أحدا أشد تضييعا مني لذلك . ثم قام وتركني . أبو المهنا الطائي قال : خرج داود الطائي إلى السوق فرأى الرطب فاشتهته نفسه فجاء إلى البائع فقال له : أعطني بدرهم إلى غد . فقال له : اذهب إلى عملك . فرآه بعض من يعرفه فأخرج له صرة فيها مائة درهم وقال : اذهب فإن أخذ منك بدرهم فالمائة لك : فلحقه البائع وقال له : ارجع خذ حاجتك . فقال : لا حاجة لي فيه إنما جرّبت هذه النفس فلم أرها تساوي في هذه الدنيا درهما وهي تريد الجنة غدا . حفص بن عمر الجعفي قال : كان داود الطائي قد ورث عن أمه أربعمائة درهم ، فمكث يتقوتها ثلاثين عاما ، فلما نفدت جعل ينقض « 1 » سقوف الدويرة « 2 » فيبيعها حتى باع الخشب والبواريّ « 3 » واللبن ، حتى بقي في نصف سقف . وجاء صديق له
--> ( 1 ) أي يخرب . ( 2 ) تصغير الدار . ( 3 ) تصغير بورية وهي الحصير المنسوج من القصب .