ابن الجوزي
92
صفة الصفوة
فقال : يا أبا سليمان لو أعطيتني هذه فأبضعتها لك لعلنا نستفضل لك فيها شيئا ينتفع به . فما زال به حتى دفعها إليه ، ثم فكّر فيها فلقيه بعد العشاء الآخرة فقال : ارددها عليّ . فقال : ولم ذاك يا أخي ؟ قال : أخاف أن يدخل فيها شيء غير طيّب فأخذها . عثمان بن زفر قال : أخبرني ابن عم لداود الطائي قال : ورث داود الطائي من أبيه عشرين دينارا فأكلها في عشرين سنة ، كل سنة دينارا منه يصل ومنه يتصدق ، وورث بيتا فكان يكون فيه لا يعمره ، كلما خربت ناحية تركها وتحول إلى ناحية أخرى فخرب كلّه إلا زاوية منه كان يكون فيها . محمد بن إسحاق قال : سمعت محمد بن زكريا يقول : سمعت بعض أصحابنا قال : ورث داود الطائي من مولاة له عشرين دينارا كفته عشرين سنة . عن عبد اللّه بن صالح قال : قال داود الطائي : يا بن آدم فرحت ببلوغ أملك وإنما بلغته بانقضاء مدة أجلك ثم سوّفت بعملك كأن منفعته لغيرك . عن قبيصة قال : حدثني صاحب لنا أن امرأة من أهل داود الطائي صنعت ثريدة بسمن ثم بعثت بها إلى داود حين إفطاره مع جارية لها ، قالت الجارية : فأتيته بالقصعة فوضعتها بين يديه فسعى ليأكل منها ، فجاء سائل فقام إليه فدفعها إليه وجلس معه على الباب حتى أكلها . ثم دخل فغسل القصعة ثم عمد إلى تمر كان بين يديه ، قالت الجارية ظننت أنه كان أعدّه لعشائه ، ودفعه إليّ وقال : أقرئيها السلام ، قالت الجارية : دفع إلى السائل ما جئناه به ودفع إلينا ما أراد أن يفطر عليه . قالت : وأظنه ما بات إلا طاويا . قال قبيصة : فكنت أراه قد نحل جدا . ابن زبان قال : قالت داية الطائي : يا أبا سليمان أما تشتهي الخبز ؟ قال : يا داية بين مضغ الخبز وشرب الفتيت قراءة خمسين آية . عبد اللّه بن صالح بن مسلم العجلي قال : دخلت على داود الطائي في مرضه الذي مات فيه ليس في بيته إلا دنّ مقيّر « 1 » يكون فيه خبز يابس ومطهرة ولبنة كبيرة على التراب يجعلها وسادة وهي مخدّته ليس في بيته بوري ولا قليل ولا كثير .
--> ( 1 ) الدّن واحد الدنان وهي الحباب ، ومقير : أي مطلي بالقار ، والقار هو طلاء أسود .