ابن الجوزي

58

صفة الصفوة

عن العوّام بن حوشب قال : ما رأيت إبراهيم التيمي رافعا رأسه في الصلاة ولا في غيرها ، ولا سمعته يخوض في شيء من أمر الدنيا قط . عن بكير أو أبي بكير ، عن أبي إبراهيم التيمي قال : ينبغي لمن لا يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قالوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ [ سورة فاطر آية 34 ] وينبغي لمن لا يشفق أن يخاف أن لا يكون من أهل الجنة لأنهم قالوا : إنّا كنّا في أهلنا مشفقين « 1 » . العوام بن حوشب ، عن أبيه ، عن إبراهيم التيمي قال : أعظم الذنب عند اللّه عزّ وجل أن يحدّث العبد بما ستر اللّه عليه . سفيان بن عيينة قال : قال إبراهيم التيمي : مثّلت نفسي في الجنة آكل من ثمارها وأشرب من أنهارها وأعانق أبكارها ، ثم مثّلت نفسي في النار آكل من زقومها ، وأشرب من صديدها ، وأعالج سلاسلها وأغلالها ، فقلت لنفسي : أيّ شيء تريدين ؟ قالت : أريد أن أردّ إلى الدنيا فأعمل صالحا . قال : قلت : فأنت في الأمنية فاعملي . قال المؤلف : أسند إبراهيم التيمي عن أبيه ، والحارث بن سويد ، في آخرين . وتوفّي في حبس الحجاج في سنة اثنتين وتسعين . علي بن محمد قال : كان سبب حبس إبراهيم التيمي أن الحجاج طلب إبراهيم النخعي . فجاء الذي طلبه فقال : أريد إبراهيم . فقال إبراهيم التيمي : أنا إبراهيم ، فأخذه وهو يعلم أنه إبراهيم النخعي . فلم يستحل أن يدله عليه ، فجاء به الحجاج فأمر بحبسه في الدّيماس « 2 » ولم يكن لهم ظلّ من الشمس ولا كنّ من البرد ، وكان كل اثنين في سلسلة . فتغير إبراهيم فجاءته أمه في الحبس فلم تعرفه حتى كلمها . فمات في السجن . فرأى الحجاج في منامه قائلا يقول : مات في هذه الليلة رجل من أهل الجنة ، فلما أصبح قال : هل مات الليلة أحد بواسط ؟ قالوا نعم ، إبراهيم

--> ( 1 ) وهو اقتباس من قوله تعالى في سورة الطور الآية 26 : قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ . ( 2 ) دمس الليل : أظلم ، ومنه ليل دامس ، والدماس : كل ما غطاك والديماس بالكسر السّرب .