ابن الجوزي

251

صفة الصفوة

موقفا تغتبط فيه بطول الصمت عن الفضول . مسلمة بن عرفجة العنبري قال : سمعت عنبسة الخوّاص يقول : كان عتبة الغلام يزورني فربّما بات عندي . قال ذات ليلة فبكى من السحر بكاء شديدا فلما أصبح قلت له : قد فزّعت قلبي الليلة ببكائك . فممّ ذاك يا أخي ؟ قال : يا عنبسة إني واللّه ذكرت يوم العرض على اللّه . ثم مال ليسقط فاحتضنته فجعلت انظر إلى عينيه تتقلّبان قد اشتدّت حمرتهما . قال : ثم أزبد وجعل يخور فناديته : عتبة عتبة ! فأجابني بصوت خفيّ : قطّع ذكر يوم العرض على اللّه أوصال المحبّين . قال : ثم جعل يحشرج بالبكاء ويردّد حشرجة الموت ويقول : تراك مولاي تعذّب محبّيك وأنت الحيّ الكريم ؟ قال : فلم يزل يردّدها حتى واللّه أبكاني . داود بن المحبر قال : سمعت عبد الواحد بن زيد يقول : ربما سهرت مفكرا في طول حزن عتبة ، وقد كلّمته ليرفق بنفسه فبكى وقال : إنما أبكي على تقصيري . الخليل بن عمرو البكري قال : سمعت مهدي بن ميمون يقول : خرجت في بعض الليالي إلى الجبّان فإذا عتبة الغلام ، فقال لي جئت ؟ قد دعوت اللّه أن يجيء بك . قلت : أطعمنا رطبا . قال : فدعا فإذا دوخلّة « 1 » رطب بين أيدينا فأكلنا منه . زيدان قال : قال عتبة الغلام : كابدت الصلاة عشرين سنة وتنعّمت بها عشرين سنة . عبد اللّه بن مبشر قال : دعا عتبة الغلام ربه أن يهب له ثلاث خصال في دار الدنيا : دعا اللّه أن يمنّ عليه بصوت حزين ، ودمع غزير ، وغذاء من غير تكلّف . قال : فكان إذا قرأ بكى وأبكى ، وكانت دموعه جارية دهره ، وكان يأوي إلى منزله فيصيب قوته لا يدري من أين يأتيه . الحسن بن دعامة قال : رأيت عتبة الغلام إذا استحسن الطير دعاه فيجيء حتى يسقط على فخذه فيمسّه ثم يسيّبه فيطير .

--> ( 1 ) الدوخلة : وعاء من خوص يوضع فيه التمر .