ابن الجوزي

252

صفة الصفوة

عن عبد الواحد بن زيد قال : انطلقت أنا وعتبة الغلام في حاجة حتى إذا كنا برحبة القصابين جعلت انظر إلى عتبة يعرق عرقا شديدا حتى رشح وذلك في يوم شات شديد البرد فقلت : عتبة ترشح عرقا في مثل هذا اليوم الشديد البرد ؟ فسكت ولم يخبرني فقلت : بالذي بيني وبينك ، ولم أزل به ، فقال : ذكرت ذنبا أذنبته في هذا الموضع . إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي قال : سألت يوسف بن عطية فقلت له : ما كان لباس عتبة ؟ قال : كان يلبس كساءين يأتزر بواحد ويرتدي بآخر ، إذا رأيته قلت بعض الأكرة « 1 » . قال إبراهيم : كان عتبة عربيا شريفا من عوذ . قال إبراهيم : وحدثني مضر قال : قال رجل لعبد الواحد بن زيد ، تعلم أحدا يمشي في الطريق مشتغلا بنفسه ؟ قال : ما أعرف إلا رجلا واحدا الساعة يدخل عليكم . فدخل عتبة . قال : وطريقه على السوق فقال له : يا عتبة من تلقّاك في الطريق ؟ قال : ما رأيت أحدا . قال عبد الواحد : وكان عتبة يسجد السجدة الطويلة على الحصا يوم الجمعة فما أراه يعقل بحرّه . أحمد بن زهير المروزي قال : ركب عتبة في زورق مع قوم فأراد الملاح أن يعدل ببعضهم السفينة فلم يجد أحدا منهم أحقر في عينيه من عتبة . فضرب جنبه فقال : استو فقال عتبة : الحمد للّه الذي لم ير فيهم أحقر في عينه مني . أبو عبد اللّه الشحام قال : كان عتبة يبيت عندي . فقلت له : ما كانت عبادته ؟ قال : كان يستقبل القبلة فلا يزال في فكر وبكاء حتى يصبح ، وربما جاءني مساء فيقول : أخرج إليّ شربة من ماء وتمرات أفطر عليها فيكون لك مثل أجري . عبد الخالق العبدي قال : كان لعتبة بيت يتعبد فيه فلما خرج إلى الشام أقفله وقال : لا تفتحوه إلى أن يبلغكم موتي ، فلما بلغهم قتله فتحوه فأصابوا فيه قبرا محفورا وغلّا حديدا .

--> ( 1 ) جمع أكار وهم الحراث .