ابن الجوزي

248

صفة الصفوة

علي بن المديني قال : سنح لي ليلة خالد بن الحارث فقلت له : ما فعل بك ربّك ؟ قال : غفر لي ، إن الأمر شديد . قلت : فما فعل يحيى بن سعيد القطان ؟ قال : نراه كما ترون ، الكوكب الدّرّي في أفق السماء . 558 - رياح بن عمرو القيسي يكنى أبا المعاصر . يحيى بن راشد قال : حدثني محمد بن الحر بن عبد ربه القيسي ، وكان ذا قرابة لرياح ، قال : كنت أدخل عليه المسجد وهو يبكي وأدخل عليه البيت وهو يبكي وآتيه في الجبّان وهو يبكي ، فقلت له يوما : أنت دهرك في مأتم ، فبكى ثم قال : يحق لأهل المصائب والذنوب أن يكونوا هكذا . معاذ بن عون الضرير قال : كنت أكون قريبا من الجبّان فكان يمرّ بي رياح القيسي بعد المغرب إذا خلت الطريق فكنت أسمعه وهو يتشنج بالبكاء وهو . يقول : إلى كم يا ليل يا نهار تحطّان من أجلي وأنا غافل عم يراد بي ؟ إنا للّه إنّا للّه . فهو كذلك حتى يغيب عني وجهه . علي بن الحسين بن أبي مريم قال : قال رياح القيسي : لي نيف وأربعون ذنبا قد استغفرت لكل ذنب مائة ألف مرة . عن محمد بن يحيى قال : قال رياح القيسي ، كما لا تنظر الأبصار إلى شعاع الشمس ، كذلك لا تنظر قلوب محبي الدنيا إلى نور الحكمة أبدا . مالك بن ضيغم قال : جاء رياح القيسي يسأل عن أبي بعد العصر فقلنا هو نائم . فقال : أنوم في هذه الساعة ؟ أهذا وقت نوم ؟ ثم ولّى منصرفا . فأتبعناه رسولا فقلنا : قل له ألا نوقظه لك ؟ قال : فأبطأ علينا الرسول . ثم جاء وقد غربت الشمس فقلنا : أبطأت جدّا . فهل قلت له ؟ قال : هو كان أشغل من أن يفهم عني شيئا ، أدركته وهو يدخل المقابر وهو يعاتب نفسه ويقول : قلت : نوم هذه الساعة ؟ أفكان هذا عليك ؟ ينام الرجل متى شاء . وقلت : هذا وقت نوم ؟ وما يدريك أن هذا ليس بوقت نوم ؟ تسألين عما لا يعنيك وتتكلمين بما لا يعنيك ، أما إن للّه عليّ عهدا لا أنقضه أبدا .