ابن الجوزي
249
صفة الصفوة
ألا أو سدك الأرض لنوم حولا إلا لمرض حائل أو لذهاب عقل زائل ، سوأة لك سوأة لك ، أما تستحيين ؟ كم توبّخين وعن غيّك لا تنتهين . قال وجعل يبكي وهو لا يشعر بمكاني ، فلما رأيت ذلك انصرفت وتركته . محمد بن عبد اللّه قال : صليت مع رياح القيسي الظّهر ، فصليت إلى جانبه فجعلت دموعه تقع على البواري مثل الوكف : طق طق . قال وكان رياح ربما أخذ حفنة من تراب ثم يضعها على البوريّ ويسجد عليها . وربما وجد رياح في بعض السكك ، وقد غشي عليه فيحمل إلى أهله مغشيا عليه . محمد بن مسعر قال : كان لرياح القيسي غلّ من حديد قد اتّخذه وكان إذا جنّه الليل وضعه في عنقه وجعل يتضرع ويبكي حتى يصبح . عثمان قال : أخبرتني مخّة وكانت إحدى العوابد قالت : رأيت رياح بن عمرو القيسي ليلة خلف المقام فذهبت فقمت خلفه حتى أزحفت ثم اضطجعت وهو قائم ، وأنا انظر إليه ، فقلت بصوت حزين : سبقني العابدون وبقيت وحدي ، والهف نفساه ، فإذا رياح قد شهق وانكبّ على وجهه مغشيا عليه . فامتلأ فمه رملا ، فما زال كذلك حتى أصبحنا ثم أفاق . الحارث بن سعيد قال : أخذ بيدي رياح فقال : هلمّ يا أبا محمد حتى نبكي على مرّ الساعات ونحن على هذه الحال . قال وخرجت معه إلى المقابر ، فلما نظر إلى القبور صرخ ثم خرّ مغشيا عليه ، قال : فجلست واللّه عند رأسه أبكي فأفاق فقال : ما يبكيك ؟ قلت : لما أرى بك . قال : لنفسك فابك . ثم قال : وا نفساه ، وا نفساه ، ثم غشي عليه . قال : فرحمته واللّه مما نزل به فلم أزل عند رأسه حتى أفاق فوثب وهو يقول : تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ تِلْكَ إِذاً كَرَّةٌ خاسِرَةٌ [ النازعات آية 12 ] ومضى على وجهه وأنا أتبعه لا يكلمني حتى انتهى إلى منزله فدخل وأصفق « 1 » بابه ورجعت إلى أهلي ولم يلبث بعد ذلك إلا يسيرا حتى مات . أسند رياح عن حسان بن أبي سنان وغيره .
--> ( 1 ) أي غلقه .