ابن الجوزي

238

صفة الصفوة

أنت بعد هذا الطول جهلك تقرّ بالدنيا عينا . أسمعته يقول فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ [ سورة سبأ آية 19 ] ، أما واللّه ما حداك على الصبر والشكر إلا لعظم ثوابهما عنده لأوليائه فمن أعظم منك غفلة أو من أطول في القيامة منك حسرة إذ كنت ترغب عمّا رغب لك فيه مولاك وأنت تقرأ في الليل والنهار نِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ [ الأنفال آية 40 ] . عباد بن الوليد القرشي قال : قال الربيع بن برة : عجبت للخلائق كيف ذهلوا عن أمر حقّ تراه عيونهم وتشهد عليه معاقد قلوبهم إيمانا وتصديقا بما جاء به المرسلون ؟ ثم ها هم في غفلة عنه سكارى يلعبون . ثم يقول : وأيم اللّه ما تلك الغفلة إلا رحمة من اللّه لهم ونعمة من اللّه عليهم . ولولا ذلك لألفي المؤمنون طائشة عقولهم طائرة أفئدتهم منخلعة قلوبهم لا ينتفعون مع ذكر الموت بعيش أبدا . داود بن المحبر عن أبيه قال : مر بنا الربيع بن برّة ونحن نسوّي نعشا لميّت فقال : من هذا الغريب الذي بين أظهركم ؟ قلنا ليس بغريب بل هو قريب حبيب . قال : فبكى وقال : من أغرب من الميت بين الأحياء ؟ قال : فبكى القوم جميعا . عن محمد بن سلام قال : سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول : رضيت لنفسك ، وأنت الحوّل القلب ، أن تعيش عيش البهائم ، نهارك هائم وليلك نائم والأمر أمامك جدّ . محمد بن سلام الجمحي قال : كان الربيع بن برّة يقول : نصب المتّقون الوعيد من اللّه أمامهم فنظرت إليه قلوبهم بتصديق وتحقيق فهم واللّه في الدنيا منغّصون ، ووقفوا ثواب الأعمال الصالحة خلف ذلك فمتى سمت أبصار القلوب إلى ثواب الأعمال تشوقت القلوب وارتاحت إلى حلول ذلك ، فهم واللّه إلى الآخرة متطلّعون بين وعيد هائل ووعد حقّ صادق لا ينفكّون من خوف وعيد إلا رجعوا إلى شوق موعود . فهم كذلك وعلى ذلك في الموت جعلت لهم الراحة . ثم يبكي . عاصم الخلقاني قال : قال الربيع بن عبد الرحمن : إن للّه عبادا أخمصوا له