ابن الجوزي
239
صفة الصفوة
البطون « 1 » عن مطاعم الحرام ، وغضّوا له الجفون عن مناظر الآثام ، وأهملوا له العيون لمّا اختلط عليهم الظلام رجاء أن ينير لهم قلوبهم إذا تضمّنتهم الأرض بين أطباقها ، فهم في الدنيا مكتئبون وإلى الآخرة متطلّعون ، نفذت أبصار قلوبهم بالغيب إلى الملكوت فرأت فيه ما رجت من عظيم ثواب اللّه فازدادوا للّه بذلك جدّا واجتهادا عند معاينة أبصار قلوبهم ما انطوت عليه آمالهم فهم الذين لا راحة لهم في الدنيا وهم الذين تقر أعينهم غدا بطلعة ملك الموت عليهم . قال : ثم يبكي حتى يبلّ لحيته بالدموع . محمد بن سلام الجمحي قال : سمعت الربيع بن عبد الرحمن يقول في كلامه : قطعتنا غفلة الآمال عن مبادرة الآجال فنحن في الدنيا حيارى لا ننتبه من رقدة إلا أعقبتنا في أثرها غفلة ، فيا إخوتاه نشدتكم باللّه هل تعلمون مؤمنا باللّه أغرّ « 2 » ولنقمته أقل حذرا من قوم هجمت بهم العبر على مصارع النادمين فطاشت عقولهم وضلّت حلومهم مما رأوا العبر والأمثال ، ثم رجعوا عن ذلك إلى غير قلعة ولا نقلة ؟ فباللّه يا إخوتاه هل رأيتم عاقلا رضي من حاله لنفسه بمثل هذه حالا ؟ واللّه يا عباد اللّه لتبلغنّ من طاعة اللّه ورضاه أو لتنكرن به ما تعرفون من حسن بلائه وتواتر نعمائه - إن تحسن أيها المرء يحسن إليك وإن تسيء فعلى نفسك بالعتب فارجع فقد بيّن وحذر وأعذر فما للناس على اللّه حجّة بعد الرسل وكان اللّه عزيزا حكيما . زعم بعض نقلة الحديث أن الربيع بن برّة أسند عن الحسن ، وذكر له حديثا . وإنما الربيع المذكور في ذلك الحديث هو الربيع بن صبيح ، وأما ابن برّة فلا نعلم له مسندا . 550 - الحجاج العابد محمد بن صالح التميمي قال : قال أبو عبد اللّه مؤذن مسجد بني جدار : جاورني شاب فكنت إذا أذّنت للصلاة وأقمت كأنه في نقرة قفاي . فإذا صلّيت
--> ( 1 ) أي أجاعوها . ( 2 ) غره يغره غرورا : خدعه ، يقال : ما غرك بفلان ، أي كيف اجترأت عليه .