ابن الجوزي
231
صفة الصفوة
همّه ثم حملت على قلبك الضعيف همّ السنين والدّهور والأزمنة وهمّ الغلاء والرّخص وهمّ الشتاء قبل أن يجيء وهمّ الصيف قبل أن يجيء ، فما ذا أبقيت من قلبك الضعيف للآخرة ؟ ما تطلب الجنة بهذا ، متى تهرب من النار ؟ كل يوم ينقص من أجلك ثم لا تحزن . أعطيت ما يكفيك وأنت تطلب ما يطغيك ، لا بقليل تقنع ولا من كثير تشبع ، فكيف لا يستبين للعالم جهله ، وقد عجز عن شكر ما هو فيه ، وهو مفتّن في طلب الزيادة ؟ أم كيف يعمل للآخرة من لا تنقضي من الدنيا شهوته ولا تنقطع عنها رغبته فالعجب كل العجب لمن صدّق بدار الحيوان كيف يسعى لدار الغرور . وكان يقول : إن أولياء اللّه آثروا رضا ربهم تعالى على هوى أنفسهم ، فأرغموا أنفسهم كثيرا في رضا ربهم فأفلحوا واللّه وأنجحوا ، وإن المنافق عبد هواه وعبد بطنه وعبد فرجه وعبد جلده ، عبد الدنيا وعبد أهل الدنيا . وكان يقول : الناس رجلان ، فمتزوّد من الدنيا ومتنعّم فيها فانظر أيّ الرجلين أنت . إني أراك تحب طول البقاء في الدنيا فلأي شيء تحبه ؟ أن تطيع اللّه عزّ وجل وتحسن عبادته وتتقرّب إليه بالأعمال الصالحة ؟ فطوبى لك ، أم لتأكل وتشرب وتلهو تلعب وتجمع الدنيا وتثمرها وتنعم زوجتك وولدك ؟ فلبئس ما أردت له البقاء . وكان يقول إذا وصف المؤمنين : أتاهم عن اللّه تبارك وتعالى أمر وقذهم « 1 » عن الباطل فأسهروا الأعين وأجاعوا البطون وأظمأوا الأكباد وأنفقوا الأموال واهتضموا التالد والطارف « 2 » في طلب ما يقرّبهم إلى اللّه عزّ وجل وفي طلب النجاة مما خوّفهم به . وكان يقول : إن المؤمن اتّخذ كتاب اللّه عزّ وجل مرآة فمرّة ينظر إلى ما نعت اللّه عزّ وجل به المؤمنين ، ومرّة ينظر إلى ما نعت اللّه عزّ وجل به المغترّين ، ومرة ينظر إلى الجنة وما وعد اللّه عزّ وجل فيها ، ومرّة ينظر إلى النار وما أعدّ اللّه عزّ وجل
--> ( 1 ) وقذه : ضربه حتى استرخى وأشرف على الموت وبابه وعد . ( 2 ) الطارف والطريف من المال المستحدث وهو ضد التالد والتليد .