ابن الجوزي

232

صفة الصفوة

فيها . تلقاه حزينا كالسهم المرمى به شوقا إلى ما شوّقه اللّه عزّ وجل إليه وهربا مما خوّفه اللّه عزّ وجل منه . وكان يقول : بلغنا أن اللّه تعالى أوحى إلى داود عليه السلام ، يا داود ألا ترى إلى المنافق كيف يخدعني وأنا أخدعه ؟ يسبّحني ويوقر بلسانه وقلبه مني بعيد ، يا داود قل للملإ من بني إسرائيل لا يدعوني والخطايا في أضبانهم « 1 » . ليضعوها ثم ليدعوني أستجب لهم . وكان يقول : اللهم اجعل القليل من الدنيا يكفينا كما يكفي الكثير أهله ، اللهم ارفع رغبتنا إليك واقطع رجاءنا ممن سواك ، اللهم اجعل طاعتك ألذّ عندنا من الطعام عند الجوع ، ومن الشراب عند الظمأ ، اللهم اجعل غفلة الناس لنا ذكرا ومرح الناس لنا شكرا ، اللهم إذا تنعم المتنعمون بالدنيا فاجعلنا نتنعم بذكرك . وكان يقول : بالدراهم والدنانير أزمّة « 2 » المنافقين تقودهم إلى السّوءات . وكان يقول : تلقى أحدهم عنده فضول « 3 » يغلق بابه دون جاره وذوي رحمه ، ثم يخرج على القوم يحدثهم بما أكل وشرب ولعل جاره الفقير وذا رحمه المحتاج يكون في القوم يسمع ما يقول ، ويحك ما كفاك أن أغلقت بابك دونه فلم تواسه ولم تذكره حتى قعدت فأخبرته بما أكلت وشربت ؟ فإذا أنت قد جمعت إساءة بعد إساءة . وكان يقول : إن المؤمن أبصر الدنيا فأنزلها منزلتها فإن هي أقبلت عليه قال : لا مرحبا ولا أهلا واللّه ما أراك جئت بخير وما فيك من خير إلا أن تطلب بك الجنة ، ويفتدى بك من النار ، فإن هي أدبرت عنه قال : عليك العفاء وعلى من يتبعك ، الحمد للّه الذي خار لي وصرف عني فتنتك وشغلك . وكان يقول إذا وصف أهل الدنيا : حيارى سكارى فارسهم يركض ركضا

--> ( 1 ) ما بين الكشح والإبط . ( 2 ) جمع زمام ، والزمام : الخيط الذي في البرة أو في الخشاش ثم يشد في طرفه المقود ، وقد يسمى المقود زماما ، وزم البعير خطمه وبابه رد ، وزم أي تقدم في السير ، وزم بأنفه تكبر فهو زام . ( 3 ) أي ما يزيد عن حاجته من طعام أو شراب .