ابن الجوزي
216
صفة الصفوة
فسقط واللّه الرجل على وجهه ميتا فحمل إلى أهله على سرير ، وكان يقال : إن أبا محمد مستجاب الدعوة . أبو قرة محمد بن ثابت قال : قال حبيب أبو محمد : لا قرّة عين لمن لم تقرّ عينه بك ، ولا فرح لمن لم يفرح بك . وعزّتك إنك لتعلم أني أحبّك . عبيد اللّه بن محمد التيمي قال : أصحابنا قالوا : كان حبيب أبو محمد يخلو في بيته ويقول : من لم تقرّ عينه بك فلا قرّت ، ومن لم يأنس بك فلا أنس . إسماعيل بن زكريا . وكان جارا لحبيب أبي محمد ، قال : كنت إذا أمسيت سمعت بكاءه وإذا أصبحت سمعت بكاءه . فأتيت أهله فقلت : ما شأنه يبكي إذا أمسى ويبكي إذا أصبح . قال : فقالت لي : يخاف واللّه إذا أمسى أن لا يصبح ، وإذا أصبح أن لا يمسي . أبو زكريا قال : قالت امرأة حبيب أبي محمد كان يقول : إن متّ اليوم فأرسلي إلى فلان يغسلني وافعلي كذا واصنعي كذا . فقيل لامرأته أرأى رؤيا ؟ قالت : هذا يقوله كلّ يوم . عن عبد الواحد بن زيد أن حبيبا أبا محمد جزع جزعا شديدا عند الموت فجعل يقول بالفارسية : أريد أن أسافر سفرا ما سافرته قطّ ، أريد أن أسلك طريقا ما سلكته قط ، أريد أن أزور سيدي ومولاي وما رأيته قط ، أريد أن أشرف على أهوال ما شاهدت مثلها قطّ ، أريد أن أدخل تحت التراب فأبقى تحته إلى يوم القيامة ثم أوقف بين يدي اللّه فأخاف أن يقول لي : يا حبيب هات تسبيحة واحدة سبّحتني في ستين سنة لم يظفر بك الشيطان فيها بشيء . فما ذا أقول وليس لي حيلة أقول : يا رب هو ذا قد أتيتك مقبوض اليدين إلى عنقي . قال عبد الواحد : هذا عبد اللّه ستين سنة مشتغلا به ولم يشتغل من الدنيا بشيء قط فأيّ شيء حالنا ؟ وا غوثاه باللّه . أحمد بن عبد اللّه قال : كان حبيب مشغولا بالتعبد ولا نعرف له حديثا مسندا . قال : وقد قيل إنه أسند عن الحسن وابن سيرين وهو وهم من قائله ، فإن حبيبا الذي أسند عنهما حبيب المعلّم ويحفظ له حكاية عن الفرزدق .