ابن الجوزي

192

صفة الصفوة

تعال خذ تلك الركوة ، فقد شغلت عليّ قلبي . فقلت : يا أبا يحيى إنما اشتريتها لك تتوضأ فيها وتشرب . فقال : يا حارث إني إذا دخلت المسجد جاءني الشيطان فقال لي : يا مالك إن الركوة قد سرقت فقد شغلت عليّ قلبي . جعفر قال : قلنا لمالك بن دينار ، ألا تدعو قارئا ؟ قال : إن الثكلى لا تحتاج إلى نائحة . فقلنا له ألا تستسقي ؟ فقال : أنتم تستبطئون المطر لكنّي أستبطئ الحجارة . جعفر قال : رأيت مالك بن دينار يتقنّع بعباء ، أو قال بكساء ، ثم يقول : إله مالك ، قد علمت ساكن الجنّة من ساكن النار فأيّ الدارين دار مالك وأيّ الرجلين مالك ؟ ثم يبكي . وسمعته يقول : لو استطعت أن لا أنام لم أنم مخافة أن ينزل العذاب وأنا نائم ، ولو وجدت أعوانا لفرقتهم ينادون في منار الدنيا كلها يا أيها الناس النار النار . وسمعته يقول : لو كان لأحد أن يتمنى لتمنّيت أن يكون لي في الآخرة خصّ « 1 » من قصب فأروى من الماء وأنجو من النار . وسمعته يقول للمغيرة بن حبيب ، وكان ختنه : يا مغيرة كل أخ وجليس وصاحب لا تستفيد منه في دينك خيرا فانبذ عنك صحبته . وسمعته يقول : يا إخوتاه بحقّ أقول لكم : لولا البول ما خرجت من المسجد . وسمعته يقول : إنما العالم الذي إذا أتيته في بيته فلم تجده قصّ عليك بيته : رأيت حصيرة للصلاة ، ومصحفه ومطهرته في جانب البيت ، ترى أثر الآخرة . وسمعته يقول : إن الأبرار لتغلي قلوبهم بأعمال البرّ ، وإن الفجّار تغلي قلوبهم بأعمال الفجور ، واللّه يرى همومكم ، فانظروا ما همومكم رحمكم اللّه . وسمعته يقول : إن الصّدّيقين إذا قرئ عليهم القرآن طربت قلوبهم إلى الآخرة .

--> ( 1 ) الخصّ : بيت من قصب .