ابن الجوزي

191

صفة الصفوة

قال : وكانت الغيوم تجيء وتذهب ولا تمطر فيقول مالك : أنتم تستبطئون وإنما أستبطئ الحجارة ، إن لم تمطر حجارة فنحن بخير . جعفر قال : أنبأ مالك بن دينار قال : لما وقعت الفتنة أتيت الحسن ثلاثة أيام أسأله : يا أبا سعيد ما تأمرني ، فلا يجيبني . قال : فقلت يا أبا سعيد أتيتك ثلاثة أيام أسألك وأنت معلّمي فلا تجيبني ، فو اللّه لقد هممت أن آخذ الأرض بقدمي وأشرب من أفواه الأنهار وآكل من بقل البرّية حتى يحكم اللّه عزّ وجل بين عباده . قال : فأرسل الحسن عينيه باكيا ثم قال : يا مالك ومن يطيق ما تطيق ، ولكنا واللّه ما نطيق هذا . قال جعفر : وكنت عند مالك بن دينار فجاء هشام بن حسان ، وكان يأتيه هشام ابن حسان وسعيد بن أبي عروبة وحوشب يطلبون قلوبهم ، فجاء هشام فقال : أين أبو يحيى ؟ قلنا : عند البقّال . قال : قوموا بنا إليه . قال : فحانت منه نظرة إلى هشام فقال : يا هشام إني أعطي هذا البقّال كل شهر درهما ودانقين فآخذ منه كل شهر ستين رغيفا كل ليلة رغيفين فإذا أصبتهما سخنا فهو أدمهما ، يا هشام إني قرأت في زبور داود : إلهي رأيت همومي وأنت من فوق العلى ، فانظر ما همومك يا هشام . عن السريّ بن يحيى عن مالك بن دينار قال : أخذ السبع صبيا لامرأة فتصدقت بلقمة . فألقاه ، فنوديت : لقمة بلقمة . جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار قال : إن اللّه جعل الدنيا دار مفرّ والآخرة دار مقرّ فخذوا لمقرّكم وأخرجوا الدنيا من قلوبكم قبل أن تخرج منها أبدانكم ، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم ، ففي الدنيا حييتم ولغيرها خلقتم ؛ إنما مثل الدنيا كالسم أكله من لا يعرفه واجتنبه من عرفه ومثل الدنيا مثل الحية مسّها لين وفي جوفها السمّ القاتل يحذرها ذوو العقول ويهوي إليها الصبيان بأيديهم . الحارث بن نبهان قال : قدمت من مكة فأهديت إلى مالك بن دينار ركوة « 1 » . قال : فكانت عنده فجئت يوما فجلست في مجلسه . فلما قضاه قال لي : يا حارث

--> ( 1 ) التي للماء وجمعها ركاء وركوات بفتح الكاف .