ابن الجوزي
122
صفة الصفوة
463 - عابد آخر محمد بن منصور قال : كان بالكوفة رجل متعبّد يأكل في يوم نصف رغيف وكان قاعدا لا يضطجع ويضع جبهته على ركبتيه من صلاة إلى صلاة لا يتطوّع بشيء غير الفرائض ، ولا يتكلم البتة . فقلت له : لو تطوعت فقال : افهم ما ألقيه إليك ، إني لست أعصيه . ومن عقلاء المجانين بالكوفة 464 - نمير المجنون العباس بن محمد بن عبد الرحمن الأشهلي قال : حدثني أبي عن ابن نمير قال : كان لي ابن أخت سمّته أختي باسم أبي نمير ، وكان من نسّاك أهل الكوفة . وقد سمع سماعا حسنا ، وكان حسن الطّهور حسن الصلاة ، يراعي الشمس للزوال قال : فعرض له فذهب عقله فكان لا يأويه سقف بيت : إذا كان بالنهار فهو بالجبّانة وإذا كان بالليل ففي السطح قائما على رجليه في البرد والمطر والريح . فنزل يوما مبكرا يريد المقابر فقلت : يا نمير تنام ؟ قال : لا . قلت : أيّ شيء العلّة التي تمنعك من النوم ؟ قال : هذا البلاء الذي تراه . فقلت : يا نمير أما تخاف اللّه عزّ وجل ؟ قال : بلى . وقال : أليس يقال : أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ؟ قال : قلت له : أنت أعلم منّي . قال : كلّا ومضى . قال : وصعدت إليه ليلة باردة وهو قائم في السطح وأمه قائمة تبكي فقلت : يا نمير بقي منك شيء لم تنكره ؟ قال : نعم . قلت ما هو ؟ قال : حبّ اللّه عزّ وجل وحب رسوله صلّى اللّه عليه وسلم . قال : وصعدت إليه ليلة في رمضان فقلت له : يا نمير لم أفطر . قال : ولم ؟ قلت : أحب أن تراك أختي تأكل معي . قال : أفعل . قال : فأصعد إلينا طعام ، فجعل يأكل معي حتى فرغت وفرغ . فلما أردت أن أقوم رحمته من أن يراني مولّيا وهو في الظلمة والريح فبكيت فقال : ما يبكيك رحمك اللّه ؟ قلت : أنزل إلى