ابن الجوزي

123

صفة الصفوة

الكنّ « 1 » والضوء وأدعك في الظلمة والبرد ؟ فغضب وقال لي : إن لي ربّا هو أرحم بي منك وأعلم بما يصلحني فدعه يصرّفني كيف يشاء ، فإني لا أتّهمه في قضائه . فقلت [ له ] لئن كنت في ظلمة الليل إن جدّك في ظلمة اللحد ، أريد أن أعزيه وأطيب نفسه . فقال لي ما جعل روح رجل صالح مثل روح رجل متلوّث . ثم قال لي : أتاني البارحة أبي وأبوك عبد اللّه بن نمير فوقف ثم أشار إلى موضع كان أبي يصلّي فيه فقال لي : يا نمير أما إنك ستأتينا يوم الجمعة شهيدا . قال : فدعوت أمه فصعدت إليّ فأخبرتها بما قال . فقالت : واللّه ما جرّبت عليه كذبا وما هذا مما كان يتكلم به وما قال إلا حقا . قال : وقال هذه المقالة عشية الأربعاء . فجعلنا نتعجب ونقول غدا الخميس وبعد غد الجمعة ، فهبه مرض غدا ومات بعد غد فأين الشهادة ؟ فلما كانت ليلة الجمعة في وسط الليل سمعنا هدّة فإذا هو قد هاج به ما كان يهيج فبادر الدرجة فزلّت قدمه فسقط منها فاندقّت عنقه فحفرت له إلى جنب أبي ودفنته ، وانكببت على قبر أبي فقلت : يا أبت قد أتاك نمير وجاورك . واللّه ما قلت هذه المقالة إلا لما كان في قلبي من الغم . ثم انصرفت فلما كان الليل رأيت أبي في النوم كأنه قد دخل عليّ من باب البيت فقال لي : يا بني جزاك اللّه خيرا لقد آنستني بنمير ، اعلم أنه منذ أتيتمونا به إلى أن جئتك يزوّج بالحور .

--> ( 1 ) الكنّ : السترة والجمع أكنان ، قال اللّه تعالى : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبالِ أَكْناناً والأكنة الأغطية قال اللّه تعالى : وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً . والواحد كنان ، قال الكسائي : كنّ الشيء ستره وصانه من الشمس وبابه رد . ( انظر مختار الصحاح ص 580 ) .