ابن الجوزي

121

صفة الصفوة

لعقوبتك متعرّض ، ولا بنظرك مستخفّ ، ولكن سوّلت لي نفسي وغلبتني شقوتي ، وغرّني سترك المرخى عليّ ، عصيتك بجهلي وخالفتك بجهدي ، فالآن من عذابك من يستنقذني ؟ وبحبل من أتصل إن قطعت حبلك عني ؟ وا سوأتاه على ما مضى من أيامي في معصية ربي ، يا ويلي كم أتوب وكم أعود ، قد حان لي أستحيي من ربي عزّ وجل . قال منصور : فلما سمعت كلامه قلت : أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم بسم اللّه الرحمن الرحيم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ ، عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ [ سورة التحريم آية 6 ] الآية . فسمعت صوتا واضطرابا شديدا فمضيت لحاجتي . فلما أصبحت رجعت وأنا بجنازة على الباب ، وعجوز تذهب وتجيء . فقلت لها : من الميت ؟ فقالت : إليك عنّي لا تجدّد عليّ أحزاني . فقلت : إني رجل غريب . فقالت : هذا ولدي مرّ بنا البارحة رجل لا جزاه اللّه خيرا فقرأ آية فيها ذكر النار ، فلم يزل ولدي يضطرب ويبكي حتى مات . قال منصور : هكذا واللّه صفة الخائفين . 462 - عابد آخر عبد اللّه بن عمر الكوفي قال : كان عندنا بالكوفة رجل قد خرج عن دنيا واسعة وتعبّد . قال : وكان الفضيل بالكوفة في أيامه . قال : فقدم ابن المبارك فقال له الفضيل : إن ها هنا رجلا من المتعبدين قد خرج عن دنيا فامض بنا إليه ننظر عقله . قال : فجاءوا إليه وهو عليل وعليه عباء وتحت رأسه قطعة لبنة ، قال : فسلّم ابن المبارك عليه ثم قال : يا أخي بلغنا أنه ما ترك عبد شيئا للّه إلا عوّضه اللّه ما هو أكثر منه ، فما عوّضك ؟ قال : الرضا بما أنا فيه . فقال ابن المبارك : حسبك . وقاما على ذلك .