ابن الجوزي
106
صفة الصفوة
إذا قيل له : الرحيل ، تقدّم على رأس ميلين فلا يزال يصلّي حتى إذا سمع حسّ الإبل تقدم أيضا فلا يزال كذلك حتى يصلّي العصر ثم يركب . أبو مريم قال : سمعت محمد بن صبيح يقول : قال محمد بن النضر الحارثي : كان يقال : الجوع يبعث على البرّ كما تبعث البطنة على الأشر « 1 » . قال المصنف : كان محمد بن النضر مشغولا بالعبادة عن الرواية وقد أرسل الأحاديث عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم ولم يصلها . 449 - ورّاد العجلي عمرو بن حفص بن غياث ، عن أبيه قال : كنا ذات يوم عند ابن ذرّ وهو يتكلم فذكر رواجف القيامة وزلزالها . فوثب رجل من بني عجل ، يقال له ورّاد ، فجعل يبكي ويصرخ ويضطرب فحمل من بين القوم صريعا : فقال ابن ذرّ : ما الذي قصّر بنا وكلم « 2 » قلبه حتى أبكاه ؟ واللّه إن هذا يا أخا بني عجل إلا من صفاء قلبك وتراكم الذنوب على قلوبنا . قال عمر : قال أبي : وكنت أرى ورّادا هذا العجلي يأتي إلى المسجد مقنّع الرأس فيعتزل ناحية فلا يزال مصليا وباكيا وداعيا ما شاء اللّه من النهار ثم يخرج فيعود فيصلّي الظهر ، فهو كذلك بين صلاة وبكاء حتى يصلّي العشاء ثم يخرج لا يكلم أحدا ولا يجلس إلى أحد ، فسألت عنه رجلا من حيّه ووصفته له قلت : شاب من صفته ، من هيئته . فقال : بخ « 3 » يا أبا عمر ، أتدري عمن تسأل ؟ ذاك ورّاد العجلي ، ذاك الذي عاهد اللّه ألا يضحك حتى ينظر إلى وجه رب العالمين . قال أبي : وكنت إذا رأيته بعد هبته . قال عمر : وحدّثني سكين بن مسكين ، رجل من بني عجل ، قال : كانت بيننا
--> ( 1 ) الأشر : أي الذي بطر وكفر النعمة . ( 2 ) الكلم : الجراحة ، والجمع كلوم وكلام وقد كلمه من باب ضرب ومنه قراءة من قرأ « دابة من الأرض تكلمهم » أي تجرحهم وتسمهم . ( 3 ) كلمة تقال عند المدح والرضا بالشيء وتكرر للمبالغة فيقال : بخ بخ فإن وصلت خفضت ونونت فقلت بخ بخ ، وربما شددت كالاسم فقيل : بخّ .