ابن الجوزي
342
صفة الصفوة
ذكر المصطفيات من العابدات البغداديات المجهولات الأسماء 368 - عابدة نوح الأسود قال : رأيت امرأة تأتي أبا عبد اللّه البراثي فتجلس تسمع كلامه ، ولا تكاد تتكلم ولا تسأل عن شيء . فقلت لها ذات يوم : لا أراك يرحمك اللّه تتكلمين ولا تسألين عن شيء ؟ فقالت : قليل الكلام خير من كثيره ؛ إلا ما كان من ذكر اللّه ، والمنصت أفهم للموعظة ، ولن ينصحك امرؤ لا ينصح نفسه ، وجملة الأمر يا أخي : إن أردت اللّه بطاعة أرادك اللّه برحمة ، وإن سلكت سبيل المعرضين فلا تلم إلا نفسك إذا صرت غدا في زمرة الخاسرين . قال : ثم استبكت فقامت . وسمعتها تعظ ابنها يوما وتقول : ويحك يا بنيّ ، احذر بطالات الليل والنهار ، فتنقضي مهلات الأعمار وأنت غير ناظر لنفسك ولا مستعدّ لسفرك ، ويحك يا بني ، ما من الجنة عوض ، ولا في ركوب المعاصي ثمن من حلول النار . ويحك يا بني ، مهد لنفسك قبل أن يحال بينك وبين ذلك ، وجدّ قبل أن يجدّ الأمر بك ، واحذر سطوات الدهر وكيد الملعون عند هجوم الدنيا بالفتن وتقلّبها بالعبر ، فعند ذلك يهتم التّقيّ كيف ينجو من مصائبها . ثم قالت : بؤسا لك يا بنيّ إن عصيت اللّه وقد عرفته وعرفت إحسانه ، وأطعت إبليس وقد عرفته وعرفت طغيانه .