ابن الجوزي

333

صفة الصفوة

[ عن سري السقطي قال : خرجت يوما إلى المقابر فرأيت بهلولا قد دلّى رجليه في قبر وهو يعبث بالتراب ، فقلت له : أيّ شيء تصنع ههنا ؟ فقال : أنا عند قوم لا يؤذوني ، وإن غبت عنهم لا يغتابوني . فقلت ] لا تكون جائعا ؟ فولّى وأنشأ يقول - : نجوع فإن الجوع من علم التّقي * وإن طويل الجوع يوما سيشبع [ فقلت له : إنّ الخبز قد غلا . فقال : واللّه ما أبالي ولو بلغت حبة بمثقال ، علينا أن نعبده كما أمر وعليه أن يرزقنا كما وعد . ثم ولّى وهو يقول ] . أفّ للدنيا فليست لي بدار * إنّما الراحة في دار القرار أبت الساعات إلّا سرعة * في بلي جسمي بليل ونهار عن الفضل بن الربيع قال حججت مع هارون الرشيد ، فمررنا بالكوفة فإذا بهلول المجنون يهذي ، فقلت : أسكت فقد أقبل أمير المؤمنين . فسكت : فلما حاذاه الهودج قال : يا أمير المؤمنين حدّثني أيمن بن نابل قال : أنبأنا قدامة بن عبد اللّه العامري قال : رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمنى على جمل وتحته رحل رثّ فلم يكن ثمّ طرد ولا ضرب ولا إليك إليك . قلت يا أمير المؤمنين إنه بهلول المجنون . قال : قد عرفته ، قل يا بهلول فقال : يا أمير المؤمنين . هب أنّك قد ملكت الأرض طرّا * ودان لك البلاد فكان ما ذا ؟ أليس غدا مصيرك ترب * ويحثو الترب هذا ثم هذا ؟ قال : أجدت يا بهلول ، أفغيره ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، من رزقه اللّه جمالا ومالا فعفّ في جماله ، واتّقى في ماله ، كتب في ديوان الأبرار . قال : فظن أنه يريد شيئا . قال فإنّا قد أمرنا بقضاء دينك . قال لا تفعل يا أمير المؤمنين ، لا تقض دينا بدين ، أردد الحق إلى أهله واقض دين نفسك من نفسك . قال : إنا قد أمرنا أن تجرى عليك جراية . قال : لا تفعل يا أمير المؤمنين ، لا يعطيك وينساني ، أجرى عليّ الذي أجري عليك لا حاجة لي في جرايتك .