ابن الجوزي

264

صفة الصفوة

وعن أبي القاسم الجبلي قال : اعتلّ إبراهيم الحربي علّة حتى أشرف على الموت فدخلت إليه يوما فقال لي : يا أبا القاسم أنا في أمر عظيم مع ابنتي . ثم قال لها : قومي أخرجي إلى عمك فخرجت فألقت على وجهها خمارها . فقال لها إبراهيم : هذا عمك كلّميه . فقالت لي : يا عمّ نحن في أمر عظيم لا في الدنيا ولا في الآخرة ، الشهر والدهر ، ما لنا طعام إلا كسر يابسة وملح وربما عدمنا الملح وبالأمس قد وجّه إليه المعتضد مع بدر بألف دينار فلم يأخذها ووجّه إليه فلان وفلان فلم يأخذ منهما شيئا وهو عليل . فالتفت الحربي إليها وتبسم وقال : يا بنية إنما خفت الفقر ؟ قالت نعم . قال : انظري إلى تلك الزاوية فنظرت فإذا كتب . فقال : هناك اثنا عشر ألف جزء لغة وغريب كتبته بخطي إذا متّ فوجهي كل يوم بجزء فبيعه بدرهم ، فمن كان عنده اثنا عشر ألف درهم فليس هو فقير . وقال أحمد بن سليمان القطيعي : أضقت إضاقة فمضيت إلى إبراهيم الحربي لأبثه ما أنا فيه . فقال لي : لا يضيق صدرك فإن اللّه من وراء المعونة . إني أضقت مرة إلى أن انتهى أمري في الإضافة إلى أن عدم عيالي قوتهم ، فقالت لي الزوجة : هب أني وإياك نصبر . فكيف نعمل بهاتين الصّبيتين ؟ فهات شيئا من كتبك حتى نبيعه أو نرهنه . فضننت بذلك فقلت : اقترضي لهما شيئا وأنظريني بقية اليوم والليلة وكان لي بيت في دهليز داري فيه كتبي وكنت أجلس فيه للنسخ والنظر . فلما كان في تلك الليلة إذا داقّ يدقّ الباب فقلت : من هذا ؟ فقال : رجل من الجيران . فقلت . أدخل فقال : أطفئ السراج حتى أدخل فكببت على السراج شيئا وقلت : أدخل فدخل وترك إلى جانبي شيئا وانصرف . فكشفت على السراج ونظرت فإذا منديل له قيمة وفيه أنواع من الطعام وكاغذ فيه خمسمائة درهم . فدعوت الزوجة وقلت : أنبهي الصبيان حتى يأكلوا . ولما كان من الغد قضينا دينا كان علينا من تلك الدراهم . وكان وقت مجيء الحاجّ من خراسان فجلست على بابي من غد تلك الليلة فإذا جمّال يقود جملين عليهما حملان ورقا وهو يسأل عن منزل إبراهيم الحربي فانتهى إليّ ، فقلت أنا