ابن الجوزي
265
صفة الصفوة
إبراهيم الحربي فحط الحملين وقال هذان الحملان أنفذهما لك رجل من أهل خراسان . فقلت من هو ؟ فقال : قد استحلفني ألّا أقول من هو ؟ . وعن ثعلب قال : ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس نحو أو لغة نحو خمسين سنة . وعن محمد بن صالح الأنماطي قال : لا نعلم أن بغداد أخرجت مثل إبراهيم الحربي في الأدب والحديث والفقه والزهد . وقال أبو الحسن العتكي : سمعت إبراهيم الحربي يقول لجماعة عنده : من تعدّون الغريب في زمانكم هذا ؟ فقال واحد منهم : الغريب من نأى عن وطنه . قال آخر : الغريب من فارق أحبابه وقال كل واحد منهم شيئا . فقال إبراهيم : الغريب في زماننا رجل صالح عاش بين قوم صالحين ، إن أمر بالمعروف آزروه ، وإن نهي عن المنكر أعانوه وإن احتاج إلى شيء من الدنيا ما نوه ، ثم ماتوا وتركوه . وعن مقاتل بن محمد بن بنان العتكي قال : حضرت مع أبي وأخي عند ابن إسحاق ، يعني إبراهيم الحربي ، فقال إبراهيم لأبي : هؤلاء أولادك ؟ قال نعم . قال : احذر لا يرونك حيث نهاك اللّه فتسقط من أعينهم . وعن محمد بن خلف وكيع قال : كان لإبراهيم الحربي ابن ، وكان له إحدى عشرة سنة ، حفظ القرآن ، ولقّنه من الفقه شيئا كثيرا قال : فمات . فجئت أعزّيه . فقال : كنت أشتهي موت ابني هذا . قال : قلت يا أبا إسحاق أنت عالم الدنيا تقول مثل هذا في صبي قد أنجب ولقنته الحديث والفقه ؟ قال : نعم رأيت في النوم كأن القيامة قد قامت وكأن الصبيان بأيديهم قلال فيها ماء يستقبلون الناس يسقونهم ، وكان اليوم يوما حارا شديدا حرّه . قال : فقلت لأحدهم : أسقني من هذا الماء . قال : فنظر إليّ وقال : ليس أنت أبي . فقلت : أيّ شيء أنتم ؟ قال : فقال نحن الصبيان الذين متنا في دار الدنيا وخلّفنا آباءنا . نستقبلهم فنسقيهم الماء . قال : فلهذا تمنّيت موته . وعن عيسى بن محمد الطوماري قال : دخلنا على إبراهيم الحربي وهو مريض ، وقد كان يحمل ماؤه إلى الطبيب . فجاءت الجارية وردّت الماء وقالت : مات