ابن الجوزي

263

صفة الصفوة

قميصي أنظف قميص وإزاري أوسخ إزار ، ما حدّثت نفسي أنهما يستويان قطّ وفرد عقبي مقطوع والآخر صحيح أمشي بهما وأدور بغداد كلها هذا الجانب وذاك الجانب لا أحدث نفسي أن أصلحها وما شكوت إلى أمّي ولا إلى أختي ولا إلى امرأتي ولا إلى بناتي : قطّ حمّى وجدتها . الرجل الذي يدخل غمّه على نفسه ولا يغم عياله . وكان برأسي شقيقة خمسا وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدا قط ، ولي عشر سنين أبصر بفرد عين ما أخبرت به أحدا . وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت وإلا بقيت جائعا عطشان إلى الليلة الثانية . وأفنيت ثلاثين سنة من عمري برغيف في اليوم والليلة ، إن جاءتني امرأتي أو إحدى بناتي به أكلته وإلا بقيت جائعا عطشان إلى الليلة الأخرى . والآن آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرة إن كانت برنيا ، أو نيّفا وعشرين إن كان دقلا « 1 » ومرضت ابنتي فمضت امرأتي فأقامت عندها شهرا فقام إفطاري في هذا الشهر بدرهم ودانقين ونصف ، دخلت الحمّام واشتريت لهم صابونا بدانقين فقام نفقة شهر رمضان كله بدرهم وأربعة دوانيق ونصف . وعن القاسم بن بكير قال سمعت إبراهيم الحربي يقول : ما كنا نعرف من هذه الأطبخة شيئا . كنت أجيء من عشاء إلى عشاء وقد هيّأت لي أمي باذنجانة مشوية أو لعقة بن أو باقة فجل . وقال أبو بكر بن عليّ الخرّاط : كنت يوما جالسا مع إبراهيم بن إسحاق على باب داره فلما أن أصبحنا قال لي : يا أبا عليّ قم إلى شغلك فإن عندي فجلة قد أكلت البارحة خضرتها أقوم أتغذّى بجزرتها . وعن أبي عثمان الرازي قال : جاء رجل من أصحاب المعتضد إلى إبراهيم الحربي بعشرة آلاف درهم من عند المعتضد يسأله عن أمر أمير المؤمنين يفرّق ذلك فردّه . فانصرف الرسول ثم عاد فقال : إن أمير المؤمنين يسألك أن تفرّقه في جيرانك . فقال : عافاك اللّه هذا مال لم نشغل أنفسنا بجمعه فلا نشغلها بتفرقته ، قل لأمير المؤمنين : إن تركتنا وإلا تحولنا من جوارك .

--> ( 1 ) الدقل : أردأ أنواع التمر .