ابن الجوزي

25

صفة الصفوة

ذكر فصاحتها رضي اللّه عنها عن هشام بن عروة ، لا أدري ذكره عن أبيه أم لا ( الشك من أبي يعقوب ) قال : بلغ عائشة رضي اللّه عنها أن أقواما يتناولون من أبي بكر رضي اللّه عنه فأرسلت إلى أزفلة منهم . فلما حضروا سدلت أستارها ثم دنت فحمدت اللّه تعالى وصلّت على نبيه محمد صلّى اللّه عليه وسلم وعذلت وقرعت . ثم قالت : أبي وما أبيه ؟ أبي واللّه لا تعطوه الأيدي ، ذاك طود منيف وفرع مديد ، هيهات : كذبت الظنون أنجح إذ أكديتم وسبق إذ ونيتم « 1 » . سبق الجواد إذا استولى على الأمد . فتى قريش ناشئا وكهفها كهلا ، يفكّ عانيها ، ويريش مملقها ويرأب شعبها حتى حليته قلوبها ، ثم استشرى في اللّه تعالى فما برحت شكيمته في ذات اللّه تعالى حتى اتخذ بفنائه مسجدا يحيى فيه ما أمات المبطلون ، وكان رحمه اللّه غزير الدمعة وقيذ الجوارح شجى النشيج فانقصفت إليه نسوان مكة وولدانها يسخرون منه ويستهزءون به اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ [ سورة البقرة آية 15 ] فأكبرت ذلك رجالات قريش فحنت له قسيّها ، وفوقت له سهامها وانتثلوه غرضا فما فلّوا له صفاة ولا قصفوا له قناة ومرّ على سيسائه حتى إذا ضرب الدين بجرانه ألقى بركه ورست أوتاده ، ودخل الناس فيه أفواجا ، ومن كل فرقة أرسالا وأشتاتا . اختار اللّه ( عزّ وجل ) لنبيه صلّى اللّه عليه وسلم ما عنده ، فلما قبض صلّى اللّه عليه وسلم نصب الشيطان رواقه ومدّ طنيه ونصب حبائله وظنّ رجال أن قد تحققت أطماعهم ، ولات حين مناص ، وأبي الصدّيق بين أظهرهم ، فقام حاسرا مشمّرا ، فجمع حاشيته ورفع قطريه فردّ نشر الاسلام على غربه ، ولمّ شعثه بطيه وأقام أوده بثقافه ، فاندفر النفاق بوطأته وانتاش الدّين فنعشه ، فلما أراح الحق إلى أهله وقرّر الرؤوس على كواهلها وحقن الدماء في أهبها ، أتته ميتته فسد ثلمته بنظيره في المرحمة وشقيقه في السيرة والمعدلة . ذاك عمر بن الخطاب ، للّه أم حملت به ودرّت عليه لقد أوحدت به ففنخ الكفرة وديّخها ، وشرّد الشرك شذر مذر وبعج الأرض وبخعها

--> ( 1 ) الونى : الضعف والفتور والكلال والإعياء ، يقال : ونى في الأمر يني بالكسر ونى وينا أي ضعف فهو وان . ( انظر مختار الصحاح ص 737 ) .