ابن الجوزي

246

صفة الصفوة

من لم يبت والحبّ حشو فؤاده * لم يدر كيف تفنّت الأكباد وسمعته يقول : اللهم ما عذّبتني بشيء فلا تعذّبني بذلّ الحجّاب . وسمعته يقول : إذا فاتني جزء من وردي لا يمكنني أن أقضيه أبدا . وسمعته يقول : إذا ابتدأ الإنسان ثم كتب الحديث فتر وإذا ابتدأ بكتبه الحديث ثم تنسّك نفذ . وذكر له أهل الحقائق من العبّاد فقال : أكلهم أكل المرضى ، ونومهم نوم الغرقى . وسمعته يقول : احذر لا تكون ثناء منشورا وعيبا مستورا . وسمعته يقول ، وقد ذكر الناس ، فقال : لا تعمل لهم شيئا ، ولا تترك لهم شيئا ، ولا تعط لهم شيئا ، ولا تكشف لهم عن شيء . يريد بهذا أن تكون أعمالك كلّها للّه تعالى . قال وسمعت الحسن البزار يقول : سألت أحمد بن حنبل عن السريّ بعد قدومه من الثغر . فقال : أليس الشيخ الذي يعرف بطيب الغذاء ؟ قلت بلى . فقال : هو على سترة عندنا قبل أن يخرج . وقد كان السريّ يكثر من ذكر طيّب الغذاء وتصفية القوت وشدة الورع حتى انتشر ذلك وبلغ أحمد بن حنبل . قال الجنيد : وكان السريّ يقول لنا ونحن حوله : أنا لكم عبرة يا معشر الشباب ، اعملوا فإنما العمل في الشبيبة . وكان يقول : من الناس ناس لو مات نصف أحدهم ما انزجر النصف الآخر ولا أحسبني إلّا منهم . وسمعت السريّ يقول : قلوب المؤمنين معلّقة بالسوابق ، وقلوب الأبرار معلقة بالخواتيم ، هؤلاء يقولون : بماذا يختم لنا ؟ وأولئك يقولون : ما ذا سبق من اللّه لنا ؟ . وعن أبي عباس المؤدّب قال : دخلت على سريّ السقطي يوما فقال : لأعجبنّك من عصفور يجيء فيسقط على هذا الرّواق فأكون قد أعددت له لقيمة فأفّتها في كفّي فيسقط على أطراف أناملي فيأكل . فلما كان في وقت من الأوقات سقط على