ابن الجوزي

232

صفة الصفوة

له وجعل يواصل ويفطر في كل ثلاث على تمر شهريز . فمكث كذلك خمسة عشر يوما ثم جعل يفطر ليلة وليلة ولا يفطر إلا على رغيف . وكان إذا جيء بالمائدة توضع في الدهليز لكي لا يراها فيأكل من حضر . وأمر المتوكل أن تشترى لنا دار . فقال : يا صالح لئن أقررت لهم بشراء دار لتكوننّ القطيعة بيني وبينك فلم يزل يدفع شرى الدار حتى اندفع . ثم انحدرت إلى بغداد وخلّفت عبد اللّه عنده فإذا عبد اللّه قد قدم وقد جاء بثيابي التي كانت عنده . فقلت له : ما جاء بك ؟ فقال : قال لي : انحدر وقل لصالح : لا تخرج فأنتم كنتم آفتي ، واللّه لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخرجت واحدا منكم معي ، ولولا مكانكم لمن كانت توضع هذه المائدة ؟ وفي رواية أخرى : ثم إنه مرض فأذن له المتوكل في العود إلى بغداد فعاد . قال الشيخ : وإنما اقتصرنا على هذا اليسير من أخبار الإمام أحمد رضي اللّه عنه لأنا قد أفردنا لمناقبه وفضائله كتابا كبيرا يستوفيها فكرهنا الإعادة في التصانيف - وذكرنا في ذلك الكتاب أسماء الأشياخ الذين لقيهم وروي عنهم . وتوفيّ رضي اللّه عنه في سنة إحدى وأربعين ومائتين ، وقد استكمل سبعا وسبعين سنة . قال المروزي : مرض أبو عبد اللّه ليلة الأربعاء لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين . ومرض تسعة أيام وتسامع الناس فأقبلوا لعيادته ولزموا الباب الليل والنهار يبيتون ، فربما أذن للناس فيدخلون أفواجا يسلّمون عليه ، فيردّ عليهم بيده . وقال أبو عبد اللّه : جاءني حاجب لابن طاهر فقال : إن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهي أن يراك . فقلت له : هذا مما أكره ، وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره . ووضّأته فقال : خلّل الأصابع . فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس حتى ملئوا السكك والشوارع . فلما كان صدر النهار قبض رحمه اللّه ، فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجّت .