ابن الجوزي

231

صفة الصفوة

خذ هذا صيّره عندك . فصيّرتها عند رأسي فوق البيت . فلما كان سحرا إذا هو ينادي : يا صالح فقمت فصعدت إليه فقال : ما نمت ليلتي هذه . فقلت : لم يا أبة ؟ فجعل يبكي وقال : سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم ، قد عزمت على أن أفرّق هذا الشيء إذا أصبحت . فقلت : ذاك إليك فلما أصبح قال : جئني يا صالح بميزان . وقال : وجّهوا إلى أبناء المهاجرين والأنصار . ثم قال : وجّه إلى فلان يفرّق في ناحية وإلى فلان فلم يزل حتى فرّقها كلّها ونفضت الكيس ، ونحن في حالة اللّه تعالى بها عليم . فجاء بنيّ لي فقال : يا أبة أعطني درهما . فنظر إليّ فأخرجت قطعة فأعطيته وكتب صاحب البريد : إنه قد تصدق بالدراهم من يومه حتى تصدّق بالكيس . قال عليّ بن الجهم : فقلت : يا أمير المؤمنين قد علم الناس أنه قد قبل منك ، وما يصنع أحمد بالمال ؟ وإنما قوته رغيف . فقال لي : صدقت يا عليّ . قال صالح : ثم أخرجنا ليلا معنا حرّاس ، معهم النفّاطات فلما أضاء الفجر قال لي : يا صالح معك دراهم ؟ قلت نعم . قال : أعطهم فأعطيتهم درهما درهما ودخلنا العسكر وأبي منكّس الرأس . ثم أنزل دار إيتاخ وجاء عليّ بن الجهم فقال : قد أمر لكم أمير المؤمنين بعشرة آلاف مكان التي فرّقها وأمر أن لا يعلم بذلك فيغتمّ . ثم جاءه أحمد بن معاوية فقال : إن أمير المؤمنين يكثر ذكرك ويشتهي قربك وتقيم ههنا تحدّث ؟ فقال : أنا ضعيف . ثم حمل إلى دار الخلافة . فأخبرني بعض الخدم أن المتوكل كان قاعدا وراء ستر فلما دخل أبي الدار قال لأمه : يا أماه قد أنارت الدار . ثم جاء خادم بمنديل فيه ثياب فألبس وهو لا يحرّك يديه . فلما صار إلى الدار نزع الثياب عنه ثم جعل يبكي . ثم قال : سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم ؟ ثم قال : يا صالح وجّه هذه الثياب إلى بغداد تباع وتصدّق بثمنها ولا يشتري أحد منكم شيئا منها . وأجريت له مائدة وثلج وضرب الخيش فلما رآه تنحّى فألقى نفسه على مضربة