ابن الجوزي
192
صفة الصفوة
244 - وهب بن منبه من الأبناء يكنى أبا عبد اللّه . عن عبد العزيز بن رفيع عن وهب بن منبه قال : الإيمان عريان ولباسه التقوى وزينته الحياء وماله الفقه . وعن عبد الصمد بن معقل أن وهب بن منبه قال في موعظة له : « يا ابن آدم إنه لا أقوى من خالق ولا أضعف من مخلوق ، ولا أقدر ممن طلبته في يده ، ولا أضعف ممن هو في يد طالبه ، يا ابن آدم إنه قد ذهب منك ما لا يرجع إليك وأقام معك ما سيذهب . يا ابن آدم أقصر عن تناول ما لا تنال وعن طلب ما لا تدرك وعن ابتغاء ما لا يوجد واقطع الرجاء منك عما فقدت من الأشياء ، واعلم أنه ربّ مطلوب هو شرّ لطالبه . يا ابن آدم إنما الصبر عند المصيبة ، وأعظم من المصيبة سوء الخلف منها . يا بن آدم فأيّ الدهر ترتجي ؟ أيوما يجيء في غرّة أو يوما تستأخر فيه عن أوان مجيئه ؟ انظر إلى الدهر تجده ثلاثة أيام : يوما مضى لا ترتجيه ، ويوما لا بد منه ، ويوما يجيء لا تأمنه ، فأمس شاهد مقبول وأمين مؤدّ وحكيم وارد ، قد فجعك بنفسه وخلّف في يديك حكمته ، واليوم صديق مودّع كان طويل الغيبة وهو سريع الظّعن ، أتاك ولم تأته وقد مضى قبله شاهد عدل ، فإن كان ما فيه لك فاشفعه بمثله . يا ابن آدم مضت لنا أصول نحن فروعها فما بقاء الفرع بعد أصله . يا بن آدم إنما أهل هذه الدار سفر لا يحلون عقدة الرحال إلا في غيرها وإنما يتبلّغون بالعواريّ فما أحسن الشكر للنعم ، والتسليم للمعير . فاعلم يا ابن آدم أنه لا رزيّة أعظم من رزيّة في عقل ممن ضيع اليقين . أيها الناس إنما البقاء بعد الفناء وقد خلقنا ولم نكن ، سنبلى ثم نعود ، ألا وإنما العوارى اليوم والهبات غدا . ألا وإنه قد تقارب منّا سلب فاحش أو إعطاء جزيل فاستصلحوا ما تقدمون بما تظعنون عنه .